معه عشر رضعات مثلًا لم يكن لهما بعد ذلك الخصومة من هذه الجهة « 1 » .
هذا النصّ مهمّ بالنسبة إلينا من ناحيتين :
الناحية الأولى : إنّه يفهم الحكم بأنّه إنشاء إنفاذ ، أيّ هو إنشاء يقوم به الحاكم بقصد إنفاذ الشريعة وتطبيقها وتحقيق الأمر في الخارج ، فليس هو تشريعاً إضافيّاً ، بل هو عمليّة إجرائيّة سلطانيّة لبتّ التشريعات والحيلولة دون عدم إجرائها . والشيء الذي يُراد إنفاذه تارةً يكون حكماً شرعيّاً ، وأخرى يكون وضعيّاً ، وثالثة يكون موضوعاً خارجيّاً ، فإنفاذه حكم الإعدام بحقّ القاتل المعيّن وإصداره هذا القرار ، بغية تحقّق الحكم في الخارج هو إنفاذ لحكم شرعي ؛ وإنفاذه لمواضعة معيّنة مثل إنفاذه لتوكيل الناس - عبر الانتخابات - رئيسَ البلديّة مثلًا بتولّي شؤونهم ، هو في الحقيقة إنفاذٌ لحكم وضعي ، أي هو تصحيح إجرائي للوكالة وربما تحويلها بذلك من عقدٍ جائز إلى مواضعة لازمة ؛ وإنفاذه لموضوع أحد الحكمين المتقدّمين ، كحكمه مثلًا بملكيّة عقار لشخص أو ببنوّة زيد لعمرو أو بثبوت الهلال ، هو حكمٌ في موضوع خارجي تترتّب عليه الآثار الشرعيّة .
وهذه الفكرة - أي البعد الإجرائي التنفيذي في الحكم - نجدها حاضرةً بعد صاحب الجواهر في كلمات غير واحد من العلماء ، مثل المحقّق العراقي ( 1361 ه - ) الذي يصرّح بأنّ الحكم ليس إلا إجراء الأحكام في الموارد الشخصيّة « 2 » ، والشيخ لطف الله الصافي ، والشيخ ناصر مكارم الشيرازي « 3 » .
الناحية الثانية : إنّ النجفي يوسّع لنا دائرة مفهوم النزاع ، من النزاع القائم بالفعل ، والذي يواجهه القضاة عادةً ، إلى النزاع المتوقّع قيامه في المستقبل نتيجة عدم الحكم ، وهذا التوسّع في غاية الأهميّة من وجهة نظري ؛ لأنّ به - لو صحّ ، ولسنا بصدد البحث في الأدلّة هنا - يمكن للفقه الإسلامي أن يمنح السلطة السياسيّة أو السلطة القضائيّة صلاحية إصدار حكم / إنشاء إنفاذ ؛ بغية سدّ الذرائع ، وقلع مبرّرات الفتنة أو التنازع في قضيّةٍ ما .
هامش
( 1 ) جواهر الكلام 40 : 100 .
( 2 ) شرح تبصرة المتعلّمين ( كتاب القضاء ) : 45 .
( 3 ) انظر : الصافي الكلبايكاني ، الأحكام الشرعيّة ثابتة لا تتغيّر : 29 - 30 ؛ ومكارم الشيرازي ، بحوث فقهيّة مهمّة : 498 - 501 .