بحيث لا يجوز لغيره نقضها . . لأنّه لو جاز له نقضها لجاز لآخر نقض الثانية . . وهلمّ جرّاً ، فيؤدّي إلى عدم استقرار الأحكام ؛ وهو منافٍ للمصلحة التي لأجلها شُرّع نصب الحكّام من نظم أمور أهل الإسلام ، ولا يكون ذلك رفعاً للخلاف في سائر الوقائع المشتملة على مثل هذه الواقعة « 1 » .
وهذا التوضيح الموجود في كلمات القرافي والشهيد الأوّل تمّ تداوله بعدهما أيضاً « 2 » . وهو تعريف تعرّض لنقض بعض قيوده الشيخُ علي كاشف الغطاء ( 1253 ه - ) ، مسجّلًا سلسلة ملاحظات عليه « 3 » .
والذي يعنينا هنا أنّ هذا التعريف الذي تواصل حضوره لمدّة زمنيّة طويلة في الفقه الإسلامي ، يضع الحكم في سياق عمليّة إنشاء فيما الفتوى تمثل إخباراً ، فلا فرق بين الحكم والفتوى سوى في الإنشاء والإخبار ، وباقي الأمور هي قيود أو نتائج للحكم لا تحتويها الفتوى كعدم جواز النقض وغير ذلك ، كما ومن الواضح أنّ هذا النصّ يتعامل مع مجال التنازع ( القضاء ) أو مجال القضايا العامّة على أبعد تقدير ، والتي تحتاج إلى بتّ ، وكأنّ الفقه توصّل لفكرة ( الحكم ) كي يتلافى أزمة عدم إمكانية البتّ في القضايا القضائيّة أو القضايا النزاعية العامّة في الشأن العام .
ولا يوحي لنا النصّ أعلاه - كما رأينا في مطلع كلام الشهيد الأوّل - أنّ الحكمَ منفصلٌ عن الإخبار النهائي عن حكم الله سبحانه ، فهويّة الإنشاء في الحكم لا تفصله عن حيثيّة الإخبار عن حكم الله ، والتي يشترك فيها مع الفتوى كما أوضحه مطلع النصّ ، وهذا يعني أنّ الحاكم بإنشاء الحكم لا يقوم سوى بكلّ العمليات الاجتهاديّة التي توصله لحكم الله ، غاية الأمر أنّ الإنشاء وقع في مورد خاصّ معيّن ، فاكتسب صفة الحكم التي تحمل في ذاتها سلسلة نتائج وخصوصيّات ، فخصوصيّة الواقعة وجزئيّتها ، حوّلت الحكمَ الشرعي الكلّي المصاغ على شكل
هامش
( 1 ) القواعد والفوائد 1 : 320 - 322 ؛ وانظر : القرافي ، الإحكام : 33 - 36 .
( 2 ) انظر : الأحسائي ، الأقطاب الفقهيّة : 163 - 164 ؛ والسيوري ، نضد القواعد الفقهيّة : 490 - 491 ؛ والخواجوئي ، جامع الشتات : 205 - 206 .
( 3 ) انظر : النور الساطع في الفقه النافع 1 : 136 - 138 .