النهي عن إعمال الرأي في الدين أو النهي عن الاجتهاد في مقابل النصّ ؟ هذه أسئلة لابدّ لها من حلّ لتخطّي هذه القضيّة ، لو أردنا الذهاب نحو فرضيّة الكاشفيّة .
حاول الشيخ عليدوست تذليل عقبة النصوص الناهية التي من هذا النوع في كتابه المخصّص لدراسة الفقه والعقل ، ليدافع عن موقع العقل في الاجتهاد في مقابل الإخباريّة وغيرها ، حيث أكّد في أكثر من موضع بأنّنا لا نريد من العقلِ الظنونَ والتخمينات والاستحسانات والأمزجة الشخصيّة والأفكار والظنون الموهومة الفرديّة ، ورأي فلان أو فلان ، بل نريد تلك القوّة والجوهرة القدسيّة المودعة في نفوس البشر . إنّه يعرّف مقصوده من العقل الذي يدافع عنه بالنصّ الآتي : قوّةٌ قدسيّة عرشيّة درّاكة ، تقع مدركاتها مقبولةً في كلّ الأزمنة والأمكنة ، وهي في إدراكها وحكمها قاطعة ، ومن ثمّ فنصوص النهي المشار إليها لا تتصل بالعقل الذي يدافع عنه عليدوست « 1 » .
لستُ أريد مناقشة المنهجيّة الأفلاطونيّة التي يقدّمها لنا عليدوست هنا من خلال تعاطيه مع العقل بصفة متعالية إشراقيّة ، أقصد هنا أنّ ربط موضوع بحثنا بتعريفٍ من هذا النوع قضيّة ملتبسة وغير دقيقة ؛ لأنّ لمس القوّة العرشيّة القدسيّة أمرٌ ليس له إمكان تثبّت سوى الحسّ والفهم المشترك ( الفطري ) العام أو الإشراق الحضوري أو اليقين البرهاني ، وهذه أمور إمّا غير موجودة عادةً في مجال الاجتهاد في القضايا العمليّة التفصيليّة الزمكانيّة أو أنّ دائرة الاحتكام فيها هي المقاربة الاستقرائيّة للذهن البشري للأفراد ، وبالتالي فالأفضل أن نتعامل مع الذهن البشري للأفراد مباشرةً ، ولا نُسقط صفات تحمل بنفسها سمة الشرعيّة للعقل ، وكأنّنا - لكي نُثبت شرعيّة العقل - نعرّفه بتعريفٍ هو في نفسه يحمل شرعيّته ذاتها ! فهذا أشبه شيء بتعريف العقل الحجّة بأنّه ( العقل المصيب للواقع ) ، فإنّ هذه الجملة وإن كانت صحيحة وجوديّاً وأنطولوجيّاً ، لكنّها غير منتجة في المجالات المعرفيّة المنهجيّة .
لست أريد التوقّف كثيراً عند هذا النوع من التعريفات ، وسأحاول تبسيط الأمر لأعتبر أنّ مقصوده هو العقل بمعنى القطع البرهاني ، أو بمعنى الحكم المشترك أو الفهم المشترك أو
هامش
التسليم ، فلا يتمّ الاستدلال بهذه الرواية على النهي عن معرفة الدين بالعقل مطلقاً ، وبهذا يُعرف أنّ قولَ الشيخ عليدوست بأنّه لا توجد رواية بهذه الصيغة أبداً ، غيرُ دقيق ، فانظر له : فقه وعرف : 82 .
( 1 ) انظر : عليدوست ، فقه وعقل : 28 - 35 ، 82 - 87 ، 214 - 217 .