وكونه مفوّضاً من الله ، لا يلازم سلب صفة التقنين عنه ، بل هذه الصفة ترجع إليه ، وهذه القوانين تُنسب واقعاً إليه ، وتغيير القُبّعة لا يغيّر واضعها ، ولهذا كانوا دقيقين في تعبيرهم بنسبة القانون للإنسان ، ولو أردنا استخدام التعبير الفلسفي فيمكن القول : إنّ المقتضي في جعل القانون هو الإنسان ، وموافقة الشريعة شرطٌ أو أنّ مخالفتها مانع .
من هنا ، نجد أنّ بعض الباحثين المعاصرين ، وهو جهانگير صالح بور ، يعتبر ، في قراءة علم - اجتماعيّة ، أنّ ثمّة عناصر ، وبعضها تنامى مؤخّراً ، تدفع لعَلْمَنَة الشريعة (
secularization
« 1 » ، بمعنى إحالة بعض قضاياها من مجال العقل الديني القدسي الماورائي ، إلى مجال العقل البشري العملاني الدنيويّ ، وهذه العناصر عنده هي :
1 - التمييز بين الأحكام التأسيسيّة والإمضائيّة ، وهذا يعني أنّ الشريعة قَبِلَت قوانين ذلك الزمان ، وقبلت قوانين الأعراف العامّة ، ولعلّ الرسول لو بُعث اليوم لقَبِلَ ببعض القوانين والأعراف المعاصرة التي أنتجها البشر .
2 - اتساع منطقة الفراغ لتشمل كلّ المباحات ، ومنح وليّ الأمر صلاحية التقنين فيها .
3 - الاعتقاد بأنّ الحياة الحديثة غيّرت الموضوعات نحو موضوعات لم يكن لها وجود أو إشارة في النصوص ، فالربا لم يعد له وجود ، والفوائد البنكيّة ظاهرة جديدة تماماً لم تعرفها الإنسانيّة من قبل ، فليس ثمّة حكم فيها ، فلزم الذهاب للعقل .
4 - ممارسة فئة من العلماء مجال نقد النصوص الحديثية ، بحيث أدّى ذلك إلى تنحية ثمانين أو تسعين في المائة من الروايات ، وهذا ما سيفتح المجال نحو تقدّم العقل البشري لسدّ الفراغ .
5 - القبول بالقياس من طرف أهل السنّة ، بل ببعض أنواعه من طرف الشيعة ، مثل تنقيح المناط بتوسعته أو تضييقه .
6 - مبدأ أنّ الحسن ما حسّنه المسلمون ، وغيره ممّا اعتمده بعض المسلمين مستندين فيه إلى بعض النصوص الحديثيّة .
هامش
( 1 ) لا نقصد بالعَلمنة هنا الإلحاد ، أو فصل الدين عن الدولة ، ولا إقصاء الدين من الحياة ، ولا غير ذلك من المفاهيم ، بل المراد بها السماح بدرجةٍ ما للعقل البشري بالمساهمة في صياغة حياة الإنسان وإدارتها قانونيّاً وتنظيميّاً ، إدارةً بشريّة غير قُدسيّة ، فيُرجى التنبّه لتوظيف المصطلحات هنا حتى لا نقع في التباس الكلام ، فهذا المعنى من العلمنة يمكن أن ينسجم جداً حتى مع الولاية العامّة للفقيه .