يوافقه هو في الواقع وقد لا يوافقه ، تماماً كالحجج في مورد عدم العلم . ودليلُ وجوب طاعة الحاكم ناظر إلى علاقة المكلّفين بالحاكم ، وإذا كان ناظراً مديات صلاحيّة الحاكم وقدرته على التشريع كان بنفسه دليلًا على عدم شموليّة الشريعة ، فتأمّل جيّداً .
وعليه ، فمرجعيّة دليل الولاية إذا أخذ على إطلاقه ليشمل الإلزامات وقعنا في الاجتهاد المقابل للنصّ ، أمّا إذا تمّ حصرها بالمباحات ، كما فعل السيد الصدر ، فهي توقعنا في إشكاليّةٍ أخرى ، وهي أنّ الشريعة قد منحت العقل الإنسانيّ ( عقل وليّ الأمر ) صلاحية سنّ القوانين الإلزاميّة في مدد زمنيّة طويلة تَبَعاً لحاجات البشر ، وهذا إقرارٌ ضمنيّ حقيقيّ بأنّ الشريعة لم تكن قادرةً على أن تسنّ بنفسها قوانين جميع الشعوب في جميع الأزمنة والأمكنة من خلال نصوصها التي ترجع إلى مئات السنين الماضية .
وبهذا يأخذ الناقد العلماني وثيقةً إضافيّة من نصوص المفكِّرين الإسلاميّين بأنّهم يقرّون بأنّ الشريعة ليست قادرة - من خلال نصوصها الأصليّة - على تغطية جميع الوقائع ، وأنّ مجموعةً وافرة من الوقائع المستجدّة قد مُنحَتْ صلاحيّة تشخيص المصلحة والمفسدة فيها لوليّ الأمر ، ليُصدر قوانينه بهذا الصدد في دائرتها . وهذا نقضٌ حقيقي لقاعدة : ما من واقعةٍ إلّا ولها حكمٌ ، وحصريّة التشريع بالله سبحانه بالحدّ الأعلى لهذه الكلمة ، وأمثال هذه القواعد ، التي تُفترض بوصفها مسلَّمات قاطعة عندهم في الاجتهاد الشرعي !
وعليه ، فنظرية مرجعيّة وليّ الأمر إما ترجع إلى العناوين الثانوية ، فلا جديد فيها ، وستأتي مناقشتها بهذا المعنى عندما نتعرّض للنظريّة الثانية الآتية قريباً إن شاء الله ؛ أو ترجع إلى مرجعيّة العقل الإنساني في سدّ فراغ التقنين الديني ، وهذا يناقض أصول مدرسة أصحاب هذه النظريّة ، ومجرّد عدم مخالفة قوانين وليّ الأمر للشريعة لا يحلّ المشكلة ، بل يعقّدها ؛ لأنّ شرط عدم المخالفة للشريعة هو بنفسه دليل كون هذه القوانين ليست من الشريعة ، ويريد الإنسان أن يمنحها شرعيّة الوجود بعدم المخالفة للشريعة ، فلاحظ .
بل إنّ أنصار هذه النظريّة هنا - المرجعيّة الإنسانيّة - صرّحوا بأنفسهم بنسبة التقنين للإنسان ، وقد نقلنا سابقاً كلمات الميرزا النائيني والسيد الصدر في نسبة العمليّة التقنينية للإنسان دون الله هنا ، وأنّ من وظائف الدولة التقنين والتنفيذ معاً ، وهذا خير دليل على أنّ مجرّد حجيّة حكم الحاكم ووجوب طاعته وشرعيّة سلوكه التقنيني والتنفيذي وبراءة الذمّة ،
شمول الشريعة — صفحة 310
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣١٠