تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
داخل ضمن ولايته ، فله حقّ إلغاء الواجبات ، فإن كان بالعنوان الثانوي فلا جديد في نظريّته ، ولزمه الإشكال السابق ، وإن كان من دون حاجة إلى عنوان ثانوي ، فهذا ما يوقعنا في إشكاليّة الاجتهاد في مقابل النصّ ، وهذه الملاحظة مترتبة على بعض نتائج الملاحظة الأولى .

2 - المرجعيّة الإنسانيّة من التبسيط إلى عجز الشريعة ، مسيرةٌ نحو العَلمَنة

إنّ هذه الصورة التي رسمتها لنا نظريّة المرجعيّة الإنسانيّة المساعدة لو كانت في شكلها النظري سليمة ، لكنّنا لو رأينا ارتداداتها على المستوى العملي والميداني على امتداد تاريخ الإنسانيّة بعد عصر النصّ وإلى يوم القيامة ، سنرى أنّها ستكوّن لنا مشهداً لا أظنّ أنّ الاجتهاد المدرسي يقبل به ؛ فإنّ العقل الأصولي يذهب إلى جملة مبادئ يجب عرض هذه النظريّة عليها : المبدأ الأول : مبدأ أنّ العقل غير قادر على معرفة المصالح والمفاسد التي تخوّله أن يكون مشرّعاً ، وأنّ الله هو العالم بخفايا الحياة الإنسانيّة ولا أحد غيره ، وأنّ هذا هو المقدار المتيقّن من خلفيّات النصوص التي تنهى عن إعمال العقل في التشريع وأنّ دين الله لا يُصاب بالعقول . المبدأ الثاني : إنّ لكلّ واقعة حكماً شرعيّاً . هذه المبادئ التي يظهر اعتقاد أصحاب نظريّة المرجعيّة المساعدة الإنسانيّة بها ، لا أجدها تنسجم مع نظريّتهم نفسها ، إلا بضربٍ من التبسيط والتسطيح ، لأنّنا لو فرضنا أنّ الدولة - بما تمثل من عقل بشري - لم تسنّ أيّاً من تلك القوانين في دائرة المباح عبر التاريخ إلى يوم القيامة ، هل كان بمقدور الشرع والنصوص تنظيم حياة البشر وحلّ مشاكلهم والجواب عن وقائعهم أو لا ؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب ، وأنّ بقاء المباح على إباحته يحقّق المصالح ، فلماذا نقدّم نظريةً هنا ونتعب أنفسنا بها ؟ ! بل هل هذا الكلام في حدّ نفسه معقول أو لا ؟ ! وأما إذا كان الجواب بالنفي ، فهذا إقرارٌ بأنّ الشرع احتاج إلى مشرِّع آخر ليسدّ له منطقةً فرغت فيها من التشريع اللازم وإن وجد فيها تشريع الإباحة ؛ إذ ليس المهم أن يكون هناك تشريعٌ في كلّ واقعة بقدر ما المطلوب أن يكون هناك تشريع يحلّ المشكلات ويسدّ الفراغات ، في كلّ الوقائع وظروفها . وهذا المشرّع الآخر هو العقل الإنساني الممتدّ عبر الأجيال والذي سنّ آلاف القوانين الزمكانية التنظيميّة التدبيريّة التي لولاها لوقع الإنسان في حيصٍ وبيص ،