تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
تنطبق في المقام ؛ لأنّ معرفة الموضوعات - لا سيما في مثل عصرنا - مسألة بالغة التعقيد ، وتحتاج لوعي زمكاني متميّز ، ولهذا قد يكون موردٌ ما بالنظر الأوّلي البدوي مصداقاً لعنوانٍ ما ، إلا أنّ رصد تشابك الموضوعات وحالها البالغ التعقيد في مثل عصرنا يجعل هذا المورد مصداقاً لعنوانٍ آخر ، وهنا يكون دور الزمان والمكان في الاجتهاد كما ذكر السيد الخميني . 2 - إلا أنّ الذي يبدو لي أنّ السيد محمد باقر الصدر لم يكن يقصد ملأ منطقة المباحات بمفادات العناوين الثانوية والحاكمة ، على الطريقة الاجتهاديّة الكلاسيكيّة ، وإنّما كان يهدف إلى أمرٍ آخر أوسع من ذلك ، وهو أنّ المساحة التي قدّمت فيها الشريعة أحكاماً إلزامية يمكن القول بأنّ الشرع قد حكم فيها بقانونٍ يحدّد وظيفة المكلّف ، ومن ثم لا يقدر وليّ الأمر أو الفقيه أو الدولة الإسلاميّة في هذا المجال إلا أن يطيع الأحكام الإلهيّة ، ولا يمكن للفقيه تعديل حكم الله تعالى أو عصيانه أو سنّ قوانين تخالف الشريعة الإسلاميّة ، ما لم يحصل على مستند شرعي في هذا المجال كمستند الأحكام الثانويّة والحاكمة ، من هنا فدائرة تدخّل وليّ الأمر بالمعنى الذي يريده الصدر لا تستوعب المجالات الإلزاميّة . أمّا مجال المباحات ، فإنّ الشريعة لم تضع فيه أيّ إلزام ، ومن ثمّ يمكن للمكلّفين فيه الإقدام على الفعل ، كما يمكنهم الإقدام على الترك ، وهنا يأتي دور الدولة - التي تعتبر ولايتُها أصلًا موضوعاً في نظريّة الصدر - في أنّها عندما تلاحظ مصلحةً في سنّ قانونٍ إلزاميّ في هذه الدائرة ، انطلاقاً من المؤشرات العامة للتشريع ، فإنّها لا تلاحظ الأهم والمهم ، أي لا يجب في هذه المصلحة أن تصدق عليها العناوين الثانويّة المعروفة ، بل الدولة في الشرع الإسلامي أعطيت لها صلاحيّة الإلزام في هذه الدائرة ، نظراً لولايتها المعطاة لها في الشرع ، فهي ذات ولاية على المسلمين والمجتمع الإسلامي ، وكلّ ما تراه صلاحاً لهم يمكنها أن تتخذ فيه تدابير ، حتى بصرف النظر عن العناوين الثانويّة ، والشرعُ جعل ما تقوله الدول مُلزماً للناس ، لا لأنّ ما تقوله هو حكمٌ شرعيّ أوّلي أو ثانوي بالضرورة ، بل لجعله الولاية لها في التنظيم شرطَ عدم مخالفة أحكام الله الإلزاميّة ، فهذا تماماً كجعل الولاية للزوج في تنظيم الأسرة ، فلو ألزم الزوج الأسرة بأمرٍ ما فإنه يجب عليهم الالتزام ، ويحقّ له هذا الإلزام ما لم يخالف حكماً إلهياً وجوبياً أو تحريميّاً ، حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، والمعصية تتحقّق بمخالفة حكمٍ إلزامي لا باختيار أحد بدائل المباح كما هو واضح . كما أنّ إلزام الزوج هنا لا يصير جزءاً من الشرع ، أي
شمول الشريعة — صفحة 305 | حيدر حب الله