فإنّ ذلك إقرار :
أ - بعدم شموليّة الشريعة وعدم كمالها كما هو المدّعى ، ومن ثمّ منافاة الأدلّة العقليّة والنقليّة والنصوص الحديثيّة المتقدّمة .
ب - بأنّ العقل الإنساني قادرٌ على سنّ القوانين ، خلافاً لما هو السائد - لا أقلّ في الاجتهاد الإمامي - من عجز العقل عن النفوذ في مجال التشريع وصيرورته مرجعيّة قانونية في عرض الشرع .
ومن ثم ، فهذا تراجعٌ عن مبدأ الشموليّة ، كما أنّه نقضٌ للنصوص السابقة ذات الطابع الشمولي ، إلى جانب عدم إبدائه تفسيراً لكيفيّة خروج هذه الدائرة عن دائرة ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة ، فضلًا عن عدم انسجامه مع طريقة الفقهاء المخطّئة في الاجتهاد « 1 » .
وأما إذا قصد المعنى الثاني ، أي الفراغ الإلزامي ، كما هو ظاهر مراد السيد الصدر ، حيث يقرّ بأنّها دائرة مباحات وأنّ فيها حكماً أوّلياً بالإباحة . فهنا نسأل : ما هي السبيل التي يسلكها الحاكم الشرعي للإطاحة بتشريع الإباحة لصالح الإلزام الذي يقوم هو بسنّه ؟
تفسيران لمرجع منطقة الفراغ بين العناوين الثانوية وفكرة الولاية
1 - فإذا رجع إلى القواعد الثانويّة في الشرع ، كنفي الضرر ونفي الحرج وغيرها من القواعد العامّة ، كما توحيه بعض كلمات الشيخ المطهّري ، لم تكن المنطقة منطقة فراغ إلزامي ؛ لأنّ المفروض أنّ الشرع قد أدلى بدلوه هنا من خلال قواعده الثانويّة ، ويكون دور الحاكم هنا اكتشاف الأحكام الإلزاميّة في الحالات المتغيّرة من خلال رصد مدارات الأحكام الثانويّة وتطبيقها على سمات وخصائص الواقع الخارجي ، فلم يُعطَ الفقيهُ ولا الحاكم حقّ التشريع - خلافاً لعبارات بعضهم من أنّ له سلطة تشريعيّة وليس فقط تنفيذيّة - ولم تكن هناك منطقة فراغ لا تشريعي ولا إلزامي من الأوّل ، على كلام مهمّ سيأتي معنا حول قضيّة العنوان الثانوي .
كما أنّه لو كان هذا هو مقصود منطقة الفراغ لم يعد هناك فرق بين أن تكون مساحتها هي المباحات أو غيرها ؛ لأنّ الأحكام الثانويّة والقواعد الحاكمة لا فرق في عملها بين نطاق
هامش
( 1 ) يُشار إلى أنّه سوف تأتي في الوقفات اللاحقة محاولات للإقرار بفراغٍ تشريعيّ بمعنى لا يواجه هذه الإشكاليّة ، وسوف نرى مديات قوّة تلك المحاولات ، لكنّنا هنا نطرح أصل إشكاليّتنا .