المباحات وغيرها ، فكما تحوِّلُ قاعدةُ تزاحم الأهم والمهم المباحَ إلى حرامٍ أو واجب ، كذلك تحوّل قواعد الضرر والحرج والاضطرار الحرامَ إلى مباح ، فلم يظهر أيّ جديد في نظريّة منطقة الفراغ ، بل لم يُفهم المبرّر في حصرها بنطاق المباحات ، بل لم نفهم الوجه في إطلاق توصيف منطقة الفراغ أساساً بعد أن كانت مباحةً بالعنوان الأوّلي ومحكومةً لقواعد العناوين الثانويّة الإلزاميّة هنا وهناك ، فالفقيه لم يملأ ، وإنما اكتشف عدم الخلأ في هذا المضمار « 1 » .
ولعلّ هذه الملاحظات هي التي دفعت الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي - فيما نُقل لنا عنه شفاهاً - إلى القول بأنّه لم يفهم نظريّة منطقة الفراغ للسيّد الصدر .
ولو فُرض أنّ السيد الصدر قصد هذا المعنى لمنطقة الفراغ - وليس بحثنا هنا توثيقياً أو تاريخياً - فإنّه يكون قد أعاد صياغة البنية الاجتهاديّة القائمة عملياً في الاجتهاد الفقهي السائد ، ولم يُضف طرحاً جديداً بقدر ما صاغ الواقع الاجتهاديّ صياغةً معاصرة ، ولعلّه لذلك ذهب بعض تلامذة السيد الصدر ، وهو أستاذنا السيد علي أكبر الحائري ، إلى القول بأنّ نظريّة منطقة الفراغ كانت موجودةً قبل الصدر ، إلا أنّ الجديد فيها هو المفهوم والمصطلح والصياغة « 2 » ، وذلك في سياق ردّه على ما كتبه أبو المجد حرك من اعتباره نظريّة منطقة الفراغ إحداثاً أحدثه الصدر « 3 » ، وهو ما يتوافق مع وجهة نظر العلامة محمّد مهدي شمس الدين والتي يرى فيها أنّ فكرة منطقة الفراغ التي طُرحت ليس لها سابق في الاجتهاد الشرعي ولم تُتداول في كلمات الفقهاء من قبل « 4 » .
نعم ، قيمة الحاكم ووليّ الأمر في هذا المعنى لمنطقة الفراغ أنّه هو الذي يتولّى في أكثر الأحيان ، إن لم يكن جميعها ، مهمّة تحديد الموضوعات ؛ لمعرفة العناوين الشرعيّة التي ينبغي أن
هامش
( 1 ) بعد أن دوّنتُ هذه الوقفة الأولى بسنوات ، رأيت أنّه قد تمّ التعرّض لها في دائرة المعارف فقه مقارن 1 : 224 - 225 ، وهي تحت إشراف الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ؛ وانظر : محمّد السند ، أسس النظام السياسي عند الإماميّة : 292 .
( 2 ) علي أكبر الحائري ، منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي ، مجلّة رسالة التقريب ، العدد 11 : 135 ، عام 1996 م ؛ وانظر أيضاً : باقر برّي ، منطقة الفراغ التشريعي من منظور الشهيد الصدر ، مجلّة قضايا إسلاميّة معاصرة ، العدد 7 : 252 .
( 3 ) انظر : أبو المجد حرك ويوسف كمال ، الاقتصاد الإسلامي بين فقه الشيعة وفقه أهل السنّة : 64 - 65 .
( 4 ) انظر : شمس الدين ، الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي : 105 .