الفكريّة المنادية بالدين بالحدّ الأدنى ، يمكن أن تصنّف ضمن دائرة هذه النظريّة .
وبعد عرضه لهذه النظريّات باختصار مع نُبذة من أدلّتها ، ينتصر الشيخ عليدوست للنظريّة الأولى ، رافضاً حتى نظريّة منطقة الفراغ ، والمفترض بنا إلى الآن أن لا نُدرج نظريّته هنا ، لكنّ الأمر المهم الذي يضيفه عليدوست هنا ويجعلنا نضعه في سياق هذا الفريق ، هو أنّه يرى أنّ الشريعة أعمّ من :
1 - الجعل القانوني المباشر من غير واسطة ، بأن يسنّ الله حكماً شرعيّاً عبر النصوص القرآنيّة مثلًا .
2 - الجعل الإمضائي ، الذي يكون عبر السكوت عن أعراف عقلائيّة أو غيرها .
3 - الجعل غير المباشر والذي يكون مع الواسطة .
وهذا القسم الثالث هو المهمّ ؛ إذ يعتبر عليدوست أنّ تكليف الله لمؤسّسةٍ أو سلطةٍ أو جهةٍ ما مهمّةَ التقنين يسمح لنا باعتبار قوانينها جزءاً من الشرع ويصحّح النسبة ، فما يصحّح شرعيّة قانون هو نسبته إلى الله ؛ لأنّ حقّ التقنين حقٌ حصريّ به تعالى ، وهذه النسبة تارة تكون نسبةً مباشرة إيجابيّة ، وأخرى سلبيّة ( الإمضاء ) ، وثالثة نسبة غير مباشرة ، وفي الحالات الثلاث نحن نواجه شريعةً منتسبةً لله سبحانه .
والمرجع العمدة الذي يستند إليه عليدوست هنا ، هو حجيّة العقل في الكشف عن الأحكام الشرعيّة ؛ إذ يذهب إلى أنّ العقل - حتى في الموارد الجزئيّة - له هذه القدرة بشكلٍ ما ، ويبدو هنا أنّه يحيلنا على كتابه الآخر المخصّص للفقه والعقل ، وبهذه الطريقة لن تعود هناك أيّ منطقة فارغة ، ففي الحقيقة قام عليدوست بنفس العمليّة التي قام بها أنصار نظريّة منطقة الفراغ وأمثالهم ، كلّ ما في الأمر أنّ ما تمّ توصيفه من قَبْل على أنّه جعلٌ قانونيّ بشري ، خلع عليه عليدوست هنا صفة الكشف عن الحكم الإلهي أو صفة الانتساب لله ، ومن ثمّ فقوانين وليّ الأمر مثلًا ليست سوى تعبير عن أحكام الله في الوقائع المتحوّلة ، الأمر الذي كان العلامة الطباطبائي شديد الحذر منه كما رأينا . بل بهذه الطريقة يُخرج عليدوست - من وجهة نظره - نظريّة الشمول التشريعي من التصلّب والسكونيّة والجمود ، وهي التهم الموجّهة من قبل خصوصها ضدّها ؛ لأنّ العقل صار له ميدان ، وفي الوقت عينه اندمج العقل بالشرع ، دون أن
شمول الشريعة — صفحة 298
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٩٨