للشريعة ، ويشرِّع القوانين الجزئيّة في إطارها وسياقاتها . وبهذا البيان يمكن سدّ الثغرة الحاصلة في ذلك .
وهذه القوانين الجزئيّة التي يسنّها وليّ الأمر مُلْزِمةٌ ؛ لكنّ إلزامها لا يصيِّرها جزءاً من الشريعة . وهذه نقطة مهمّة ؛ إذ قد تقول : إذا لم تكن أوامر وليّ الأمر من الشريعة فلماذا يعاقب المكلَّف على مخالفتها ، وهو لم يرتكب حراماً شرعيّاً إسلاميّاً ؟ ! وهو السؤال الذي لاحظنا أنّ خصوم النائيني كانوا طرحوه من قبل .
وهنا يجيب هذا الاتجاه بأنّ المسألة ليست غريبةً ، بل هي أشبه بأمر الوالد ولده بجلب الماء ؛ فإنّ هذا الأمر قد تجب طاعته شرعاً ، لكنّه ليس حكماً تشريعيّاً إلهيّاً .
وخُذْ مثالًا آخر وهو : شخصٌ ما استأجرك بعقدٍ موقَّع بينكما أن تعمل في عمارة منزله . وهذا عقد ( إجارة ) . والشريعة تجعل هذا العقد ملزماً للطرفين . فلو قال لك الشخص الذي استأجرك : ضَعْ لي هذا الحجر هناك ، أليس من الواجب شرعاً عليك أن تضع الحجر حيث طلب ؟ إنّه كذلك بالتأكيد ؛ إذ بمقتضى عقد الإجارة تكون أنت ملزماً بأن تعمل بما يطلب منك الطرف الآخر ، لكنْ هل وضع الحجر هناك هو جزءٌ من الدين ، بحيث لو أردنا أن نشرح الدين فنحن نذكر وضع الحجر في هذا الموضع على أنّه قضيّةٌ دينيّة ؟ !
والجواب بالنفي بالتأكيد . فأنت هنا ملزَمٌ بالطاعة ، ولكنَّ المضمون ليس جزءاً من الدين . وما هو جزءٌ من الدين هو وجوب الالتزام بالعقود الموقَّعة بين الناس . وهكذا الحال في إمكانيّة إلزام الزوجة بالتمكين عندما يريد الزوج ، ولكنّ نفس طلب الزوج ليس جزءاً من الدين . وبهذا يمكن الجمع بين دينيّة الإلزام وعدم دينيّة المضمون الملزَم به .
وعليه ، فالجانب المتغيّر من حياة الإنسان لم تتركه الشريعة ، وإنّما أحالت حكمه إلى الحاكم الشرعي الإسلامي للبتّ فيه في ضوء روح الشريعة وقواعدها كما يذهب إليه العلامة الطباطبائي ، أو فلنقل : إنّ الجانب المتغيّر قد حكمت فيه الشريعة بالإباحة حيث لا يوجد نصّ إلزاميٌّ يشمله بعموم أو إطلاق ، وأنّه لو احتاجت مساحة الإباحة هذه إلى قوانين إلزامية نتيجة الضرورات الزمنيّة كان بإمكان الدولة الإسلاميّة سنّ القوانين اللازمة في ضوء المؤشرات الشرعيّة في دائرة المباحات التي نعبّر عنها بمنطقة الفراغ ، كما يذهب إلى ذلك السيد محمد باقر الصدر ، فإيكال الأمر إلى الحاكم الشرعي للبتّ طبقاً للمؤشرات العامة في الدين هو في حدّ
شمول الشريعة — صفحة 296
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٩٦