من توصيفها بأنّها أحكام دينيّة ، فالطاعة وظيفة دينيّة لكنّ الأمر الصادر من الحاكم في دائرة الفراغ ليس دينيّاً بذاته ومضمونه ، فلا يُنسب للدين ، فهل الصدر يخالف الطباطبائي هنا ؟
في تقديري إنّ الصدر لا يخالف الطباطبائي ؛ لأنّ ضمّ نصوصه لبعضها يؤكّد أنّه لا يريد نسبة هذه المقرّرات والقوانين الصادرة من الدولة إلى الدين نفسه ، بل يريد التأكيد على شرعيّة الأحكام مقابل عدم شرعيّتها المفضي إلى عدم وجوب طاعتها ، وفي الحدّ الأدنى لا نستوحي من عبارته بوضوح فكرةً تخالف فكرة الطباطبائي .
وإذا أردنا أن نستعين بنصوص السيّد الصدر في ( المدرسة القرآنيّة ) لتمدّنا بالمزيد من عناصر تكوين الصورة مع اقتصادنا والأسس ، فإنّنا نلاحظ أنّ الصدر طرح في المدرسة القرآنية فكرة علاقات الإنسان بالطبيعة وعلاقاته بأخيه الإنسان ، مؤكّداً أنّ كلّ نوعٍ من هذه العلاقات يؤثر في الثاني ؛ لكنّه لا يذهب بكلامه نحو خرق ما كان قد قرّره في كتاب اقتصادنا كما تقدّم معنا ؛ لأنّه يفسّر تأثير علاقات الإنسان بالطبيعة على علاقاته بأخيه الإنسان عبر نظام الطغيان البشري ؛ لأنّ الإنسان كلّما قويت قدرته على التصرّف بالطبيعة ازداد استبداداً وطغياناً ؛ لأنّه يطغى عندما يستغني كما ينصّ الكتاب الكريم ، وهذا التفسير من الصدر لفكرة تأثير العلاقة مع الطبيعة على العلاقة مع الإنسان لا يضرّ حتى الآن بفكرة ثبات العلاقات الإنسانيّة التي اعتبرها الصدر في اقتصادنا أساساً في توصيف الشريعة بالثابتة ، لكنّ المهم في المدرسة القرآنيّة أنّ الصدر يعيد تكريس هذا الثنائي المزدوج : الإنسان ( الإنسان - الطبيعة ) ، ليؤكّد أنّ تفاعل علاقة الإنسان بالإنسان عبر تنامي علاقته بالطبيعة هي المساحة المتغيّرة من حياته ، والتي تسمّى بمنطقة الفراغ ، فالصدر هنا يعيد هذه التسمية مشيراً لما ذكره في اقتصادنا ، ومؤكّداً على الفكرة عينها ، ومصرّاً على استخدام تعبير ( تُرك للحاكم الشرعي أن يملأها - وفقاً للمؤشرات الإسلاميّة العامّة ) ، والتي كان سبق أن تمّ التعبير عنها في الأسس واقتصادنا بالدستور والأحكام الشرعيّة « 1 » .
فكرة المؤشرات العامّة تحظى بأهميّة عند الصدر ، ففي كتابه ( الإسلام يقود الحياة ) ، والذي دوّنت سطوره في أواخر عمر السيد الصدر ، يذهب الصدر إلى التمييز مجدّداً بين الثابت
هامش
( 1 ) انظر : المدرسة القرآنيّة : 157 - 161 ، 171 - 174 ، 185 - 186 .