بأحكام ثابتة « 1 » .
هذه كانت الرؤية العمدة التي قدّمها الصدر في اقتصادنا ، وبنى عليها أفكاره اللاحقة .
وبالعودة إلى مدوّنة الأسس الإسلاميّة لحزب الدعوة ، والتي كتبت في الفترة التي كتب فيها اقتصادنا ، نلاحظ أنّ نصّ الأسس يبيّن في الأساس رقم 6 وظائف الدولة الإسلاميّة ، ويضعها في أربع ، جاعلًا ثانيها : وضع التعاليم ، وهي التفاصيل القانونيّة التي تطبّق فيها أحكام الشريعة على ضوء الظروف ، فيما صنّف ثالثها بأنّه تطبيق أحكام الشريعة من الدستور والتعاليم المستنبطة منه ، والتي هي القوانين ، على الأمّة « 2 » ، وهذا يعني أنّ الدولة تتولّى - وفقاً لنصّ الأسس الإسلاميّة - مسؤوليّة وضع قوانين تفصيليّة ، تختلف عن مسؤوليّة إجراء القوانين الشرعيّة ، وهو ما قلنا - ونحن نوضح فكرة اقتصادنا - أنّه يبيّن تنوّعاً في وظائف الدولة يفتحها على الوظيفة التقنينيّة .
وفي الأساس رقم 8 ، نلاحظ التمييز واضحاً بين أحكام الشريعة الإسلاميّة الثابتة التي لا تقبل التغيير ، وبين ما يطلق عليه اسم القوانين أو التعاليم ، والتي تعرّف بأنّها : أنظمة الدولة التفصيليّة ، والتي تقتضيها طبيعة الأحكام الشرعيّة الدستوريّة لظرفٍ من الظروف ، ولذا فهي قوانين متطوّرة تختلف باختلاف ظروف الدولة ، ومنشأ التطوّر فيها أنّها لم ترد في الشريعة مباشرةً وبنصوص محدّدة ، وإنما تُستنبط من أحكام الشريعة على ضوء الظروف والأحوال التي هي عرضة للتغيّر والتبدّل .
من هنا يقتحم الأساس الثامن هذا موضوعاً تعريفيّاً مهمّاً بالنسبة إلينا ، حيث يقول بأنّ اصطلاح الدستور الإسلامي حينما يُطلق يُراد منه ما هو أوسع من مفهوم الدستور المتعارف عليه اليوم ؛ لأنّه يستوعب تمام أحكام الشريعة الخالدة ، إذ هي جميعاً أحكام دستوريّة ، كما أنّ التعاليم والقوانين المتغيّرة نطلق عليها اسم ( الأحكام الشرعيّة ) إطلاقاً صحيحاً ؛ فإنّها وإن كانت أحكاماً ظرفيّة لكنّها تكتسب الصفة الشرعيّة ووجوب التنفيذ شرعاً من الأحكام الشرعيّة التي اقتضتها ، ولأنّ الجهاز الحاكم العادل قد تبنّاها من أجل رعاية شؤون الدولة
هامش
( 1 ) انظر موقفه من العبادات في : الفتاوى الواضحة ( نظرة عامّة في العبادات ) : 749 - 752 .
( 2 ) انظر نصّ الأساس السادس من الأسس الإسلاميّة : محمّد باقر الصدر السيرة والمسيرة 1 : 272 ، ولاحظ تكرار هذا الأمر في الأساس التاسع ، ص 275 .