تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
النصّ القرآني الكريم :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )
( النساء : 59 ) . وحدود منطقة الفراغ التي تتسع لها صلاحيات أولي الأمر ، تضمّ - في ضوء هذا النصّ الكريم - كلّ فعل مباح تشريعاً بطبيعته ، فأيّ نشاط وعمل لم يرد نصّ تشريعيّ يدلّ على حرمته أو وجوبه ، يُسمح لوليّ الأمر بإعطائه صفة ثانويّة ، بالمنع عنه أو الأمر به ، فإذا منع الإمام عن فعلٍ مباح بطبيعته ، أصبح حراماً ، وإذا أمر به أصبح واجباً . وأمّا الأفعال التي ثبت تشريعيّاً تحريمها بشكلٍ عام ، كالربا مثلًا ، فليس من حقّ وليّ الأمرِ الأمرُ بها ، كما أنّ الفعل الذي حكمت الشريعة بوجوبه ، كإنفاق الزوج على زوجته ، لا يمكن لوليّ الأمر المنع عنه ؛ لأنّ طاعة أولي الأمر مفروضة في الحدود التي لا تتعارض مع طاعة الله وأحكامه العامّة . فألوان النشاط المباحة بطبيعتها في الحياة الاقتصاديّة هي التي تشكّل منطقة الفراغ « 1 » . بهذه الصورة وضع الصدر معالم نظريّة منطقة الفراغ في كتاب اقتصادنا ، ويمكن تبيينها كالآتي : أ - إنّ النصّ الديني ترك منطقة فراغ ، بينما لم تترك التجربة الدينيّة هذه المنطقة ، ولكنّ ملء التجربة الدينية - المتمثلة بالتجربة النبويّة - لهذه المنطقة لم يكن عبر جانب تبليغي تطبيقي للوحي بطريقة حرفيّة ، وإنّما هو بفعل صلاحيّة ممنوحة للنبيّ بوصفه هذه المرّة وليّ الأمر ، والمائز بين النصّ النبويّ التبليغي والتجربة النبويّة العمليّة في منطقة فراغِ السلطة ، هي أنّ النصّ ثابت ويعالج الثوابت ، بينما التجربة تمثل نسخة زمنيّة ، ومن ثمّ فليست مستنسخة بحرفيّتها بالضرورة ، وإنّما يؤخذ نهجها العام توجيهاً للأمّة للممارسة اللاحقة ، فالحجيّة فيها تكمن في النهج لا في النتائج الزمنيّة التي أفرزت هذا النهج في تلك المرحلة ، وعليه ، فيمكن لمن يحمل صفة ولي الأمر - بعد النبيّ وإلى يومنا هذا - أن يمارس تجربته دون حاجة لأن يستنسخ تجربة النبيّ بحرفيّتها في هذا الجانب منها ، بل هو بحاجة للاستلهام من نهج التجربة وقيمها ؛ لأنّ تلك التجربة النبويّة انطلقت من فضائها المرحلي ، وتعاملت مع واقعها الزمني ، ولو أنّ النبيّ كان حيّاً اليوم لربما قدّم تجربةً مختلفة في هذا الصدد لكنّها موحّدة النهج والقيم . ب - ينتج عمّا سبق أنّ تشريعات منطقة الفراغ - ولو صدرت من شخص النبيّ - لا تمثل
هامش
( 1 ) اقتصادنا : 799 - 804 .
شمول الشريعة — صفحة 290 | حيدر حب الله