تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
بوصفها قادرة على تنظيم علاقات الإنسان بالإنسان في عصور مختلفة . ولكنّ هذا لا يعني جواز إهمال الجانب المتطوّر ، وهو علاقات الإنسان بالطبيعة وإخراج تأثير هذا الجانب من الحساب ؛ فإنّ تطوّر قدرة الإنسان على الطبيعة ، ونموّ سيطرته على ثرواتها ، يطوّر وينمّي باستمرار خطر الإنسان على الجماعة ، ويضع في خدمته باستمرار إمكانات جديدة للتوسّع ، ولتهديد الصورة المتبنّاة للعدالة الاجتماعيّة . فالمبدأ التشريعيّ القائل مثلًا : إنّ من عمل في أرضٍ ، وأنفق عليها جهداً حتى أحياها ، فهو أحقّ بها من غيره ، يعتبر في نظر الإسلام عادلًا ؛ لأنّ من الظلم أن يساوى بين العامل الذي أنفق على الأرض جهده ، وغيره ممن لم يعمل فيها شيئاً . ولكنّ هذا المبدأ بتطوّر قدرة الإنسان على الطبيعة ونموّها ، يصبح من الممكن استغلاله ، ففي عصرٍ كان يقوم إحياء الأرض فيه على الأساليب القديمة ، لم يكن يتاح للفرد أن يباشر عمليّات الإحياء إلا في مساحات صغيرة . وأمّا بعد أن تنمو قدرة الإنسان وتتوفّر لديه وسائل السيطرة على الطبيعة ، فيصبح بإمكان أفراد قلائل ممن تؤاتيهم الفرصة أن يُحيوا مساحةً هائلة من الأرض باستخدام الآلات الضخمة ويسيطروا عليها ، الأمر الذي يزعزع العدالة الاجتماعيّة ومصالح الجماعة ؛ فكان لابدّ للصورة التشريعيّة من منطقة فراغ ، يمكن ملؤها حسب الظروف ، فيُسمح بالإحياء سماحاً عاماً في العصر الأوّل ، ويُمنع الأفراد في العصر الثاني - منعاً تكليفيّاً - عن ممارسة الإحياء ، إلا في حدودٍ تتناسب مع أهداف الاقتصاد الإسلامي وتصوّراته عن العدالة . وعلى هذا الأساس وضع الإسلام منطقة الفراغ في الصورة التشريعيّة التي نظّم بها الحياة الاقتصاديّة ؛ لتعكس العنصر المتحرّك وتواكب تطوّر العلاقات بين الإنسان والطبيعة ، وتدرأ الأخطار التي قد تنجم عن هذا التطوّر المتنامي على مرّ الزمن . منطقة الفراغ ليست نقصاً : ولا تدلّ منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعيّة ، أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث ، بل تعبّر عن استيعاب الصورة وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة ؛ لأنّ الشريعة لم تترك منطقة الفراغ بالشكل الذي يعني نقصاً أو إهمالًا ، وإنّما حدّدت للمنطقة أحكامها بمنح كلّ حادثة صفتها التشريعيّة الأصيلة ، مع إعطاء وليّ الأمر صلاحية منحها صفة تشريعيّة ثانوية ، حسب الظروف . فإحياء الفرد للأرض مثلًا عمليّة مباحة تشريعيّاً بطبيعتها ، ولوليّ الأمر حقّ المنع عن ممارستها ، وفقاً لمقتضيات الظروف . الدليل التشريعي : والدليل على إعطاء وليّ الأمر صلاحياتٍ كهذه لملء منطقة الفراغ ، هو
شمول الشريعة — صفحة 289 | حيدر حب الله