كالطباطبائي والمطهّري ، نتيجة نزعتهم العقلية في الفلسفة ، في حين أنّ عقليّة خصومهم من الماركسيّين وغيرهم ، تظهر في مثل هذه الموضوعات ، وكأنّها منتمية لذهنية الاتجاه الإسميّ ( أصالة الجزئي والفرد /
Nominalism )
، الذي يعدّ من أبرز أعلامه المؤسّسين الفيلسوف الإنجليزي وليام الأوكامي ( 1347 م ) ، المعروف بأطروحته ( شفرة / موسى / نصل اوكام ) ، والذي ساهمت مدرسته الفلسفيّة في تسديد ضربة قويّة للفلسفة المدرسيّة في فترة ما يُعرف بالقرون الوسطى ، وهيّأت لنهوض المدارس التجريبيّة فيما بعد ، وهو موضوع يستحقّ الوقوف عنده كثيراً .
يساعدنا مطهري مرّةً أخرى عندما يصرّح بأنّ الثوابت هي الأصول والمبادئ فيما المتغيّرات تكمن في كيفيّة تنفيذ تلك الأصول والمبادئ ، وهذا ما يخضع لتطوّرات العصر « 1 » .
على صعيدٍ آخر ، يولي المطهري اهتماماً كبيراً تارةً بفكرة سوق الأحكام الشرعيّة مساق القضايا الحقيقيّة بحيث تظلّ قائمة على امتداد الزمان ، وأخرى بفكرة الاجتهاد في قدرتها على توفير تغطية الإسلام للمتغيّرات والمستجدات ؛ لأنّ الاجتهاد هو الكفيل بوضع الحلول الزمنيّة المناسبة في كلّ عصر من خلال استنباط الأحكام الجزئيّة التفصيليّة المتلائمة مع المصادر المجملة للتشريع الإسلامي ، وبه يتمكّن الإسلام من التواصل والاستمرار الزمني ، معرّضاً بما وصلته حال الاجتهاد في عصرنا ، ومعتبراً أنّه لو بُعثت الروح الحقيقيّة مرّةً أخرى في الاجتهاد ، لرأينا قدراته المذهلة على حلّ المشكلات ، فالإسلام ربط المتغيّرات بثوابته ، ولا يكتشف هذا الربط إلا الفقيه المجتهد ؛ لأنّ الاجتهاد هو القوّة الحركيّة في الإسلام « 2 » ، بل هو أحد معجزاته « 3 » .
ومن هذه الزاوية من معالجة الموضوع ، والتي يبدو فيها المطهّري شارحاً ومكمّلًا ممتازاً لمدرسة الطباطبائي ، إلى زاوية أخرى يبدو فيها المطهري مدافعاً عن توجّهات النائيني حتى لو لم يذكره بالاسم ، ففي سياق انتصاره للحركة الدستوريّة ورفضه توصيفها بأنّها ضدّ الإسلام ،
هامش
( 1 ) انظر : المصدر نفسه : 138 .
( 2 ) هذا هو التعبير الذي أطلقه محمّد إقبال اللاهوري على الاجتهاد ، حين وصفه بأنّه القوّة المحرّكة للإسلام ، ويبدو أنّ مطهّري أخذه منه .
( 3 ) انظر : الإسلام ومتطلّبات العصر : 144 ، 149 ، 151 .