المقابلة له ، هم النقّاد المتأثرون بالغرب والفكر الحديث .
ويلزم أن ننتبه جيّداً هنا إلى أنّ تمييز الطباطبائي بين المتغيّر والثابت ، ليس بمعنى أنّ الثوابت منفصلة عن المتغيّرات ومنعزلة عنها عنده ، فالأكل ثابت والسيارة متغيّرة ، فليس هناك دائرتين منفصلتين ، بل المراد أنّ حياة الإنسان تتواشج فيها الثوابت بالمتغيّرات ، ويكون بعضُها في بطنِ بعضِها الآخر ، فحاجة الإنسان للتنقّل - مثلًا - تستدعي سنّ قوانين تتصل بالنقل من حيث كونه من لوازم الإنسان الطبيعي مثلًا ، بينما استخدام السيارة أو القطار أمر متغيّر ؛ لأنّه ليس من لوازم الإنسان الطبيعي ، فالنقل المستكنّ في روح استخدام وسائط النقل الحديثة هو ثابت ، بينما هذه الوسيلة أو تلك التي يتجلّى فيها تطبيق النقل هي متغيّرات ؛ فالإنسان بما هو إنسان ليس بحاجة للسيارة ، بل هي تجلٍّ زمني لحاجته الثابتة المعبّر عنها بالانتقال من مكان إلى مكان مثلًا ، ومن هنا فما يتصل بالسيارة بما هي سيارة هو من المتغيّرات التي يُرجع فيها لوليّ الأمر ، وما يتصل بها بما هو نقل وانتقال مثلًا فإنّه يُرجع فيه للنص الديني ؛ لأنّه من الثوابت ، ولك أن تأخذ هذا المثال لتطبّق روحه - كما فعلنا - على مواضع كثيرة أخرى .
ج - المطهري في سياق بلورة صياغة مشتركة بين الرؤية الفلسفية ومهمّة التقنين
لا يمكنني تصنيف الشيخ مرتضى مطهري على أنّه صاحب صياغة مستقلّة هنا ، فضلًا عن أن يكون صاحب نظريّة مختلفة ، لكنّه بالتأكيد شارح ممتاز ومكمّل محترف في موضوع بحثنا ، من هنا أودّ أن أعرض باختصار أهم النقاط التي استعرضها وتشكّل إعادة بيان وتكميل لمقاربتَي : النائيني والطباطبائي معاً ، وذلك بالخصوص في كتابه المخصّص للإسلام ومتطلّبات العصر .
يصرّح المطهّري في موضعٍ من أعماله بشموليّة الإسلام وكليّته وكماله المتأتّيَين من خاتميته « 1 » ، في الوقت عينه الذي يصرّح فيه بأنّه لا يتدخّل في كلّ التفاصيل ، كما سوف نرى .
إنّ المطهري يقرّ بأنّ هناك حاجاتٍ ثابتة للإنسان ، ويرى في الوقت عينه أنّ وسائل تأمين الحاجات الثابتة تختلف بين العصور ؛ لأنّ هذه الوسائل من إبداع الإنسان ، ولا علاقة للدين بها ، فالدين يعيّن الأهداف وكيفيّة بلوغها وتحقيقها ، أمّا الوسائل فهي من مهمّة العقل ، حيث
هامش
( 1 ) انظر : مجموعه آثار ( بالفارسيّة ) 3 : 140 ، 173 .