تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
يؤدي دوره عبر التفنّن والإبداع . هذه هي حاجات العصر الحقيقيّة ومتطلّباته الواقعيّة عند المطهري « 1 » . والمطهري هنا يقرّ بتغيّر الحاجات الحقيقيّة للإنسان بفعل تغيّر الأوضاع ، وربما يكمن الجديد في مقاربته في أنّه يحاول أن يدافع عن نظريّة الثابت والمتغيّر بالبيان الذي قدّمه أستاذه الطباطبائي أمام إشكاليّة القائلين بأصالة التغيّر في الفلسفة الماديّة ؛ إذ يرى هؤلاء أنّ التغيّر هو الأصل الشامل ، ومن ثمّ فما يحتاجه الإنسان اليوم يمكن أن لا يحتاجه غداً ، والعكس صحيح ؛ فبالأمس احتاج الإنسان للفحم ، وها هو اليوم يحتاج للكهرباء ، وهذا يعني أنّ كلّ الأشياء في تغيّر وصيرورة ، ولا معنى للحديث عن ثوابت ، بل الدِّين نفسه عندهم حاجةٌ زمنيّة ارتفعت اليوم في ظلّ تطوّر الحياة الإنسانيّة ، وهنا يحاول المطهري أن يدافع عن رؤيته ضدّ هذه المقولة ، فيناقشها - باختصارٍ - في بُعدها الفلسفي القائم على التغيّر المطلق الوجودي وعدم وجود ثابت ، كما في نظريّات الفيلسوف الباكي الحزين هرقليطس /
Heraclitus ( 475
أو 480 ق . م ) وغيره ، في أنّ الإنسان لا يستحمّ من ماء النهر مرّتين . ثم ينتقل للبُعد الاجتماعي ، حيث يذهب الماركسيّون إلى أنّ البنى الاجتماعيّة في تغيّر دائم ، والسبب أنّها معلولة لقوى الإنتاج ووسائله ، وحيث إنّ وسائل الإنتاج في تطوّر وصيرورة ، فالبنى الاجتماعيّة كلّها في تغيّر وصيرورة ، ومن ثم لا يمكن وضع قوانين ثابتة ؛ لأنّ الحاجات والعلاقات لم تعد ثابتة . ولا يعلّق المطهري كثيراً هنا ، مقتصراً على تأكيد فكرة الثوابت عبر بعض الأمثلة والتوضيحات « 2 » ، ربما مكتفياً بمناقشات الإسلاميّين خلال القرن العشرين للفكر الشيوعي ، لكنّ هذه المقولة كانت تستحقّ منه وقفات أطول بعيداً عن المادّيين ، ولعلّ له عذره في النقاش معها ، خاصّة وأنّ هذا الكتاب ( الإسلام ومتطلّبات العصر ) ليس سوى سلسلة من المحاضرات المتنوّعة . إنّ تحديد وجود الثوابت بموازاة شريعة كاملة من جهة ، وتعيين مساحات هذه الثوابت ووضع تعريفات دقيقة لها ، يظلّ حاجة مهمّة لتوضيح الفكرة أكثر عند المطهري والطباطبائي معاً . إنّني أعتقد بأنّ ذهنية أصالة الكلّي ( رئاليسم ) حاكمة على عقليّة الإسلاميّين هنا
هامش
( 1 ) انظر : الإسلام ومتطلّبات العصر : 118 - 119 . ( 2 ) انظر : المصدر نفسه : 125 - 134 .