من الشريعة الإسلاميّة النازلة .
وبهذا يدير الإسلام - عند الطباطبائي - حركة الحياة بالأحكام الثابتة والمتغيّرة معاً ، ولا يديرها - كما يتصوّر بعض الناقدين - بالثوابت فحسب ، بما يؤدّي إلى جمودها واصطدامها في نهاية الطريق . وتنوّعُ الإسلام في أحكامه بهذه الطريقة أمرٌ عقلائي جداً نجده في مختلف القوانين البشريّة أيضاً ، مثل الدستور والقوانين التفصيليّة . واللافت هنا أنّ الطباطبائي يقرّ بأنّ الدستور لا يُتوقّع منه أن يحلّ التفاصيل اليوميّة للحياة ، وكذا الشريعة ، ولهذا تلجأ لنظام الشورى والولاية لفضّ هذه الإشكاليّة « 1 » .
هذه عصارة نظريّة الطباطبائي التي كرّرها كثيراً في كتاباته ، وهي تقوم - كما رأينا - على قاعدة العلاقة الوطيدة بين التشريعات الدينيّة والواقع التكويني للإنسان أو الإنسان الطبيعي والفطري ، ومن ثمّ لا تقبل التغيّر ؛ لأنّ الإنسان الطبيعي لا يتغيّر في حاجاته ولوازمه ، بينما المتغيّرات هي الأدوات والوسائل والجزئيّات اليوميّة ، وقد نظّمتها الشريعة عبر الإحالة على قاعدة الولاية القائمة على الشورى ، وهي تقبل التغيّر والتطوير والتبدّل .
وبمقارنة خاطفة ، يُلاحظ عند الطباطبائي تقديمه مقاربة فلسفيّة تتصل بالثبات الراجع لتعلّق التشريعات بالإنسان الطبيعي ، وهذا النوع من المقاربة لم نلاحظه واضحاً في صياغة الجيل السابق على الطباطبائي والمتمثل بالدرجة الأولى بالميرزا النائيني ، كما نلاحظ أنّ الميرزا النائيني كان قريباً جداً من فكرة الإدارة السياسيّة للمجتمع ، في حين رأينا الطباطبائي في غالب تعابيره يرتفع عن هذه الخصوصيّة ليتكلّم بشكل عام عن المتغيّرات الإنسانيّة ، بعيداً عن خصوصيّة تقنين الدولة . والسبب - في غالب الظنّ - هو منطلقاتهما المختلفة ونوعية التحدّيات التي كانت تواجه كلًا منهما ؛ إذ تحدّي الطباطبائي كان جذريّاً أكثر ، في حين كان تحدّي النائيني متصلًا بكيفيّة سنّ القوانين لإدارة الدولة فقط ، دون أن يواجه إشكاليّةً ضدّ الدين كلّه وقدرته على المواءمة في العصر الحديث ، كالتي واجهها الطباطبائي وأمثاله فيما بعد ، ولهذا لاحظنا أنّ خصوم النائيني كانوا عبارة عن التيار المدرسي داخل المؤسّسة الدينيّة ، حيث كان يغمز من قناتهم في ادّعائهم أنّ سنّ القوانين هو ادّعاء للنبوّة أو بدعة ، بينما خصوم الطباطبائي والجهة
هامش
( 1 ) انظر : المصدر نفسه : 98 - 118 ، 166 - 170 ، 180 - 181 ، 508 - 512 ؛ والميزان 16 : 192 - 193 .