توافقها ، سواء في ذلك العصر القديم والعصر الحديث . وأمّا الأحكام الجزئية المتعلّقة بالحوادث الجارية التي تحدث زماناً وزماناً وتتغيّر سريعاً بالطبع ، كالأحكام الماليّة والانتظامية المتعلّقة بالدفاع ، وطرق تسهيل الارتباطات والمواصلات والانتظامات البلديّة ونحوها ، فهي مفوّضة إلى اختيار الوالي ومتصدّي أمر الحكومة ؛ فإنّ الوالي نسبته إلى ساحة ولايته كنسبة الرجل إلى بيته ، فله أن يعزم ويجري فيها ما لربّ البيت أن يتصرّف به في بيته ، وفيما أمره إليه ، فلوالي الأمر أن يعزم على أمور من شؤون المجتمع في داخله أو خارجه مما يتعلّق بالحرب أو السلم ، ماليةً أو غير ماليّة ، يراعي فيها صلاح حال المجتمع بعد المشاورة مع المسلمين ، كما قال تعالى :
( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ )
( آل عمران : 159 ) ، كلّ ذلك في الأمور العامّة . وهذه أحكام وعزمات جزئيّة تتغيّر بتغيّر المصالح والأسباب التي لا تزال يحدث منها شيء ، ويزول منها شيء غير الأحكام الإلهيّة التي يشتمل عليها الكتاب والسنّة ، ولا سبيل للنسخ إليها » « 1 » .
وفي دراسته التي خصّصها لما يرتبط بهذا الموضوع ، تحت عنوان ( الإسلام واحتياجات الإنسان المعاصر ) ، وكذا في بحثه عن ( التشيّع والإمامة ) وفي أجوبته عن ( أربعين سؤالًا ) وجّهت إليه من قبل نخبة من الأساتذة الإيرانيين في نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية . . يعيد الطباطبائي التأكيد على أنّ الإسلام يحاكي الطبيعة الإنسانيّة ، وتستجيب قوانينه للفطرة والتكوين ، فلا معنى للسؤال عن قدرته أو عدم قدرته على المواكبة ؛ إذ لا معنى للقديم والجديد هنا ؛ لأنّ الطبيعة والفطرة ثابتتين دوماً ، لا تغيير فيهما « 2 » ، والإسلام يتعامل في قوانينه مع ( الإنسان الطبيعي ) ، وهو الإنسان التكويني الثابت ، من هنا يستجيب الإسلام للثوابت الناتجة عن الطبيعة والتكوين ، ليترك المتغيّرات - النوع الثاني من الأحكام - لوليّ الأمر ( الحاكم الشرعي في الدولة الإسلاميّة ) ، ليتمّ وضعها عبر نظام الشورى وإمضاؤها عبر نظام الولاية ، كما يدير ربّ الأسرة وضعها ، تبعاً لمقتضيات المصالح الطارئة المستجدّة ، ثمّ ترتفع هذه الأحكام والقوانين وتسقط بصورةٍ طبيعيّة تلقائيّة بمجرد انتفاء المصالح الموجبة لها ، والمهم - عند الطباطبائي - أنّها مُلزِمة بمقتضى أدلة وجوب طاعة وليّ الأمر ، لكنّها في نفسها ليست جزءاً
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 4 : 120 - 121 .
( 2 ) انظر : مقالات تأسيسيّة في الفكر الإسلامي : 80 - 84 ، 95 - 96 .