تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
تكون بالضرورة محكومةً بالتغيير ، وذلك تبعاً للتغيير والاختلاف الذي يطرأ على طرق الحياة ووسائل معاش الناس من يوم إلى آخر ؛ ومن عصرٍ إلى عصر . ومثال هذه الأنظمة المتغيِّرة : التحوّلات التدريجيّة التي طرأت على وسائل النقل ، بحيث كان بديهياً أن يقود وجود الطرق البريّة والبحريّة والجويّة إلى انبثاق أوضاعٍ جديدة تستدعي بدورها إيجاد وتطبيق سلسلة من النُظُم الجديدة التي لم يكن لها حاجةٌ في العصور السابقة » « 1 » . ومرّةً أخرى في تفسير الميزان يكرّر الطباطبائي فيقول : « ربما يقال : هب أنّ الإسلام لتعرّضه لجميع شؤون الإنسانية الموجودة في عصر نزول القرآن كان يكفي في إيصاله مجتمع ذاك العصر إلى سعادتهم الحقيقيّة وجميع أمانيهم في الحياة ، لكنّ مرور الزمان غيّر طرق الحياة الإنسانيّة ، فالحياة الثقافية والعيشة الصناعيّة في حضارة اليوم لا تشبه الحياة الساذجة قبل أربعة عشر قرناً المقتصرة على الوسائل الطبيعيّة الابتدائيّة ، فقد بلغ الإنسان إثر مجاهداته الطويلة الشاقّة مبلغاً من الارتقاء والتكامل المدني لو قيس إلى ما كان عليه قبل عدة قرون كان كالقياس بين نوعين متبائنين ، فكيف تفي القوانين الموضوعة لتنظيم الحياة في ذلك العصر للحياة المتشكّلة العبقريّة اليوم ؟ وكيف يمكن أن تحمل كلّ من الحياتين أثقال الأخرى ؟ والجواب أنّ الاختلاف بين العصرين من حيث صورة الحياة لا يرجع إلى كلّيات شؤونها ، وإنّما هو من حيث المصاديق والموارد ، وبعبارة أخرى : يحتاج الإنسان في حياته إلى غذاء يتغذّى به ولباس يلبسه ودار يقطن فيه ويسكنه ، ووسائل تحمله وتحمل أثقاله وتنقلها من مكان إلى مكان ، ومجتمع يعيش بين أفراده وروابط تناسليّة وتجارية وصناعية وعملية وغير ذلك ، وهذه حاجة كليّة غير متغيّرة ما دام الإنسان إنساناً ذا هذه الفطرة والبنية ، وما دام حياته هذه الحياة الإنسانيّة والإنسان الأوّلي وإنسان هذا اليوم في ذلك على حدّ سواء ، وإنّما الاختلاف بينهما من حيث مصاديق الوسائل التي يرفع الإنسان بها حوائجه المادية ، ومن حيث مصاديق الحوائج حسب ما يتنبّه لها وبوسائل رفعها . . وكما أنّ هذه الاعتقادات الكليّة التي كانت عند الإنسان أوّلًا لم تبطل بعد تحوّله من عصر إلى عصر ، بل انطبق الأوّل على الآخر انطباقاً ، كذلك القوانين الكليّة الموضوعة في الإسلام طبق دعوة الفطرة واستدعاء السعادة ، لا تبطل بظهور وسيلة مكان وسيلة ، ما دام الوفاق مع أصل الفطرة محفوظاً من غير تغيّر وانحراف ، وأمّا مع المخالفة فالسنّة الإسلاميّة لا
هامش
( 1 ) انظر : الطباطبائي ، الشيعة ، نصّ الحوار مع المستشرق كوربان : 141 .