من الإنفاذ » « 1 » .
ويشرح ذلك في موضع آخر فيقول : « إنّ صلاح المجتمع العام أهمّ ما يبتغيه الإسلام في تعاليمه المصلحة ؛ فإنّ أهمّ الأشياء عند الإنسان في نظر الطبيعة ، وإن كان هو نفسه الفرديّة ، لكنّ سعادة الشخص مبنيّةٌ على صلاح الظرف الاجتماعي الذي يعيش هو فيه ، وما أصعب أن يفلح فرد في مجتمعٍ فاسد أحاط به الشقاء من كلّ جانب ؛ ولذلك اهتمّ في إصلاح المجتمع اهتماماً لا يعادله فيه غيره ، وبذل الجهد البالغ في جعل الدساتير والتعاليم الدينيّة حتى العبادات من الصلاة والحج والصوم اجتماعيّةً ما أمكن فيها ذلك ، كلّ ذلك ليستصلح الإنسانَ في نفسه ومن جهة ظرف حياته » « 2 » .
وعندما ينتقل الطباطبائي في موضعٍ آخر لمعالجة قضيّة الثوابت والمتغيّرات ، بعد تقريره هذه الأصول في كتبه ، فإنّه يقول : « إنّ الأحكام والقوانين التي يجب تنفيذها في المجتمع تنقسم من وجهة نظر الإسلام إلى نوعين ، هما :
النوع الأول : الأحكام والقوانين التي لها جذر تكوينيّ ثابت ، مثل : احتياجات الإنسان الطبيعيّة التي تفضي إلى مقتضيات ثابتة غير قابلة للتغيير ؛ بحكم ارتباطها بالبنية التكوينيّة الثابتة للإنسان نفسه . فتَبَعاً لوجود مثل هذه المقتضيات الثابتة والحاجات غير المتغيِّرة يجب أن تكون هناك أحكام ثابتة ، وذلك من قبيل : الأحكام والقوانين ذات الصلة بالمِلْكيّة والاختصاص ، وأحكام المعاملات والوراثة ، وأحكام الزواج والطلاق واعتبار الأنساب ، وأحكام الحدود والقصاص ونظائر ذلك .
ومن هذا القبيل : أحكام العبادات ، التي ترتكز إلى جذرٍ ثابتٍ ، يتمثَّل برابطة الربوبيّة والعبودية ، ممّا لا يمكن أن يطالها التغيير ، أو ينالها الاهتزاز أبداً .
هذه السلسلة من الأحكام والقوانين هي بنفسها الشريعة الإسلامية ، التي جاء بيان كلِّياتها في القرآن الكريم ، وتكفَّلت السنّة النبويّة ببيان جزئيّاتها وتفاصيلها . هذا اللون من الأحكام ( الشريعة ) لا طريق لنسخه أو إبطاله بنصّ القرآن وصريح السنّة .
النوع الثاني : الأحكام والقوانين ذات الصلة بالحياة اليومية للناس . ومثل هذه القوانين
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 4 : 94 .
( 2 ) المصدر نفسه 12 : 330 .