مُلزم بها شرعاً ، حيث يجيب النائيني بأنّ النصوص هي التي كرّست موقع وليّ الأمر والشورى ، ومن ثمّ فيجب إطاعتهم بمقتضى النصوص الدينيّة نفسها .
4 - إنّ النائيني يقرّ بأنّ القسم الثاني من السياسات النوعيّة لا يمكن جمعه تحت ضابطة واحدة ومعيّنة ؛ لأنّه يختلف باختلاف العصور والأزمنة والأمكنة ، ويصرّح بأنّ هذا هو السبب وراء عدم نصّ الشريعة عليه وإيكالها أمره إلى ترجيح من له الولاية ، كما يميّز النائيني بين القوانين المنبثقة من أصل الشرع فيراها أبديّةً غير قابلة للنسخ ، بينما القوانين المنبثقة من ترجيح وليّ الأمر غير أبديّة ، وهي قابلة للنسخ والتغيير .
5 - لكي يفكّ النائيني مشكلة التغيّرات الناشئة من سنّ القوانين عبر وليّ الأمر والشورى ، فهو ينفي إشكاليّة أنّ هذا عدول من الواجب إلى الحرام بما يشي بمتغيّرات شرعيّة ، لهذا فهو يؤكّد أنّ هذا عدولٌ من فردٍ من أفراد الواجب إلى فردٍ آخر ، والقاسم المشترك بين الاثنين هو حفظ النظام العام وسياسة أمور الأمّة ، باعتبار ذلك أحد الواجبات الحِسْبِيّة .
بهذه الطريقة يتبيّن أنّ النائيني انتبه إلى ضرورة وجود مرجعيّة مساعدة مقرّرة من قبل الشرع ، وهي مرجعيّة الشورى وولاية الأمر ، وأنّ سنّ الشريعة لهذه المرجعيّة هدفه القدرة على المواكبة ؛ لأنّ النصوص المباشرة غير قادرة على مواكبة المتغيّرات التي من هذا النوع .
وعبر ذلك ، يفتح النائيني الباب أمام مرجعيّة قانونيّة بشريّة مجعولة شرعاً ومقرَّرة في الدين نفسه ، وتشتغل في سياق الحسبيّات ونطاق الأغراض العامّة لصالح الأمّة ، وبهذه المرجعيّة تحقّق الشريعةُ التناسق بين الثوابت والمتغيرات ، إلى حدّ أنّ النائيني يتوجّه لضرورة سنّ القوانين المنبثقة عن هذه المرجعيّة لتكون مدوّنةً ، وبذلك تكون الشريعة الإسلاميّة قد وفّقت بين الثابت والمتغيّر ، واستطاعت - عبر هذه المرجعيّة المساعدة - سدَّ كلّ حاجات الأمّة في سياق المتغيّرات .
ومن الضروري أن نشير إلى أنّ النائيني لم يكن بصدد الحديث عن شموليّة الشريعة ولا عن إشكاليّة الثابت والمتغيّر ، بمفهومنا المعاصر ، بل كان بصدد وضع صيغة شرعيّة تنظيميّة لإدارة المجتمع تقدر على الاستجابة ، وتخلّص الأمّة من الاستبداد ، فالإشكاليّة لا يبدو كونها مطروحة في ذهنه ، بل لعلّ المطروح آنذاك في الوسط الديني هو رفض هذا النسق من التفكير الذي يسمح بسنّ دستور وقوانين غير الشريعة الإسلاميّة المتمثلة - على سبيل المثال - بكتب الفتاوى
شمول الشريعة — صفحة 274
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٧٤