اعلم أنّ كلّ الوظائف المتعلّقة بتنظيم شؤون البلد والمحافظة عليه وتدبير أمور وشؤون الشعب ، قد تكون أحكاماً أوليّة متكفّلة لأصل القوانين العمليّة الراجعة للوظائف النوعيّة ، أو ثانويّة متضمّنة عقوباتٍ مترتبةً على مخالفة الأحكام الأوليّة « 1 » ، فهي لا تخرج عن هذين القسمين ؛ لأنّها بالضرورة إمّا أن تكون أحكاماً نصّ عليها الشرع ، فهي وظائف عمليّة ثابتة في الشرع ، أو لم ينصّ عليها الشرع فهي موكولة إلى نظر الوليّ ؛ لعدم اندراجها تحت ضابط خاصّ ، وبالتالي عدم تعيين الوظيفة العمليّة فيها . والقسم الأوّل لا يختلف باختلاف الأعصار وتغيّر الأمصار ، ولا يجري فيه غير التعبّد بمنصوصه الشرعيّ إلى قيام الساعة ، ولا يتصوّر فيه أيّ وضع آخر أو وظيفة أخرى ، بينما يكون القسم الثاني تابعاً لمصالح الزمان ومقتضياته ، ويختلف باختلاف الزمان والمكان ، وهو موكول لنظر النائب الخاصّ للإمام عليه السلام ، وكذا النوّاب العموميّين ( الفقهاء « 2 » ) ، أو من كان مأذوناً عمّن له ولاية الإذن بإقامة الوظائف المذكورة .
وبعد وضوح هذا المعنى ، وبداهة هذا الأصل ، تترتّب جملة فروع سياسيّة عليه ، وهي :
أ - إنّ القوانين والمقرّرات التي يجب التدقيق والمراقبة في مدى انطباقها على الشريعة هي تلك التي تكون من القسم الأوّل ، ولا موضوع لها في القسم الثاني بتاتاً .
ب - إنّ أصل الشورويّة التي عرفت أنّها أساس الحكم الإسلامي بنصّ الكتاب والسنّة ، والتي ابتُنيت السيرةُ النبويّة عليها ، هو من القسم الثاني لا غير ، وأمّا القسم الأوّل فخارج عن هذا العنوان ؛ إذ لا محلّ للمشورة فيه .
ج - كما أنّ ترجيحات الولاة المنصوبين من قبل الإمام عليه السلام في عصر حضوره وبسط يده تكون من أحكام القسم الثاني وملزمة شرعاً لا يجوز التخلّف عنها ، حتى أنّ طاعة وليّ الأمر ذُكرت في عرض طاعة الله ورسوله ، بل وجعلت طاعة الوليّ والرسول في عرض طاعة الله سبحانه أيضاً ، كما في الآية المباركة : ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) ( النساء : 59 ) ، وهذا ما عدّ من معاني إكمال الدين بنصب ولاية يوم الغدير ، كذلك تكون ترجيحات النوّاب العموميّين أو المأذونين من جانبهم في عصر الغيبة ملزمةً شرعاً بمقتضى نيابتهم الثابتة
هامش
( 1 ) يخيّل لي أنّ الميرزا النائيني يستخدم هنا مفردة ( الأوّلي - الثانوي ) بغير المعنى الشائع في الفقه الإمامي .
( 2 ) لا وجود لكلمة ( الفقهاء ) هنا في هذه الفقرة في الأصل الفارسي ، وقد أضافها المترجم بين قوسين ، وربما تكون إضافته للتوضيح باعتبار سياق الكتاب .