لمحة عن حضور فكرة ( التغيّر - الزمكان ) في التراث الاجتهادي الإسلامي
لكن قبل أن ننتقل لدراسة أصل الموضوع ، لابدّ أن نُجلي قضيّةً مهمّة ، وهي أنّ التراث الاجتهاديّ للمسلمين لم ينكر يوماً تأثيرات التغيّر على التشريعات من حيث المبدأ ، بصرف النظر عن قضيّة الشمول القانوني ، ولا بأس بذكر بعض العيّنات والأمثلة القليلة جداً من التراث الفقهي للمسلمين ؛ إذ إحصاء النصوص هنا صعبٌ للغاية ؛ لكثرتها ووفرتها ، وقد أشرنا لهذا الموضوع وللعديد من عيّناته الأخرى في كتابنا ( نظريّة السنّة ) « 1 » :
1 - يقول العلامة الحلّي ( 725 ه - ) : « الأحكام منوطة بالمصالح ، والمصالح تتغيّر بتغيّر الأوقات ، وتختلف باختلاف المكلّفين ؛ فجاز أن يكون الحكمُ المعيّن مصلحةً لقومٍ في زمانٍ فيؤمر به ، ومفسدةً لقوم في زمان آخر فينهى عنه » « 2 » . وفي كتابٍ آخر يقول - وهو يدافع عن نظريّة النسخ - : الأحكامُ منوطة بالمصالح ، ولا امتناع في كون الوجوب مثلًا مصلحة في وقت ، ومفسدة في آخر ، فلو كلّف به دائماً ، لزم التكليف بالمفسدة ، فيجب رفعه في وقت كونه مفسدة « 3 » .
2 - ويقول الشهيد الأوّل ( 786 ه - ) : يجوز تغيّر الأحكام بتغيّر العادات ، كما في النقود المتعاورة والأوزان المتداولة ، ونفقات الزوجات والأقارب ؛ فإنّها تتبع عادة ذلك الزمان الذي وقعت فيه ، وكذا تقدير العواري بالعوائد ( الفوائد ) ، ومنه الاختلاف بعد الدخول في قبض الصداق ، فالمرويّ تقديم قول الزوج ؛ عملًا بما كان عليه السلف من تقديم المهر على الدخول ، ومنه إذا قدم شيئاً قبل الدخول كان مهراً إذا لم يسمّ غيره ، تبعاً لتلك العادة . فالآن ينبغي تقديم قول الزوجة ، واحتساب ذلك من مهر المثل « 4 » .
3 - ويقول المحقّق الأردبيلي ( 993 ه - ) : تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيّات والأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص ، وهو ظاهر ، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على
هامش
( 1 ) انظر : نظريّة السنّة : 719 - 727 ، 734 - 747 .
( 2 ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 485 - 486 .
( 3 ) مبادئ الوصول إلى علم الأصول : 176 ؛ وانظر : البهائي ، زبدة الأصول : 155 ؛ والخوئي ، البيان في تفسير القرآن : 280 .
( 4 ) القواعد والفوائد 1 : 151 - 152 ؛ وانظر : ابن أبي جمهور الأحسائي ، الأقطاب الفقهيّة : 49 .