الإسلامي أنّه - فقط - أمام أسئلة لموضوعات جديدة ، وعليه أن يبرهن أنّ لديه جواباً لينسجم نشاطه مع شموليّة الشريعة ، بل هو أمام انتقادات تواجه التشريعات الدينيّة نفسها ، من زاوية تصادمها - كما يقول النقّاد - مع المنطقيّة والعقلانيّة والحياة ، وسأعطي مثالين ، ونُريد أن نميّز بينهما :
المثال الأوّل : حُكم الزكاة موجودٌ في الشريعة ، ولا نبحث عن وجود جواب شرعي حول الضرائب التي يُراد لها أن تساهم في التكافل والتضامن الاجتماعيّين ، ورفع الطبقيّة المجحفة ، ونشر العدالة الاجتماعيّة ، لكنّ هذا الحكم يبدو عقيماً في عصرنا بسبب المتغيّرات ؛ فلم تعد أصناف الأعيان الزكويّة قادرة اليوم على الاستجابة لأغراض الزكاة وتحقيق أهدافها ، وهذا يعني أنّ الشريعة سوف تُصاب بالضمور والموت والعُقم بسبب عدم قدرتها على التكيّف ، وإيجاد التحوّلات داخلها بما ينسجم مع الواقع السيّال المتحوّل .
المثال الثاني : لقد قدّمت الشريعةُ سلسلة أحكام تُشكّل نظريّتَها حول المرأة ، لكنّ هذه النظريّة المتكوّنة من سلسلة من القوانين ، تُناسِب حال المرأة في عصر نزول الشريعة ، ولا تتواءم مع حالها اليوم ، فالمرأة اليوم ليست هي امرأة الأمس مثلًا ، ومن ثمّ فالشريعة قد حَكَمَت على نفسها بالفشل والموت في عصور التغيّر والتحوّل ، وهذه معضلة إضافيّة تواجهها .
الفرق بين هذين المثالين رغم اشتراكهما ، هو أنّ المثال الأوّل يوصلنا إلى فراغ الشريعة اليوم ؛ لأنّ المتغيّر سبّب سقوط بعض الأحكام عن مرتبة الحيويّة والفعالية ، فالزكاة ماتت عملياً ، كما ماتت الرقيّة ، ومن ثمّ فالشريعة اليوم ليس لديها جواب - مثلًا - حول قضيّة الضرائب والتكافل والعدالة الاجتماعيّة للفقراء في أموال الأغنياء . وهذا ما يسبّب ازدياد ثقل إشكاليّة الشمول هنا نتيجة المتغيّرات الحاصلة في أنساق الحياة الاقتصاديّة للبشر ، وانتقالهم من الزراعة ( التي تنسجم معها الأصناف الزكويّة ) إلى الصناعة والتجارة وما بعدهما .
أمّا المثال الثاني ، فإنّ الإشكاليّة المطروحة فيه لا تتصل - بشكلٍ فاعل - بقضيّة الشموليّة ؛ لأنّ الأحكام ما تزال موجودة فيما يتصل بالمرأة ، لكنّ المشكلة - من وجهة نظر الناقدين - تكمن في تصادم هذه الأحكام مع الواقع أو الأخلاق أو المنطق . .
هذا هو الجانب الآخر من أزمة الثابت والمتغيّر ، وهو الوجه الثاني للعملة نفسها التي يشكّل الجانب السابق وجهها الأوّل ، وذلك أنّ تسبّب مشكلة الثبات هنا في موت بعض الأحكام
شمول الشريعة — صفحة 264
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٦٤