تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
2 - العامل البنائيّ . أمّا العامل الأوّل ، فقد اجتاحت الطروحات الأيديولوجيّة والمدارس الفكريّة العالم الإسلاميّ في القرن العشرين خاصّة في الخمسينيّات والستينيّات والسبعينيّات منه ، ولا سيَّما المدارس الماركسيّة والاشتراكيّة وأمثالها . وهذه الطروحات والأيديولوجيّات كانت تتفاخر بأنّ لديها نظاماً سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وتعليميّاً وتربويّاً ، وأنّ النظام الإسلاميّ غير قادرٍ على الانسجام والتكيُّف مع متطلّبات العصر ، ولا يصلح إلّا للمواءمة مع العصر الزراعي والقَبَلي الذي عفا عليه الزمن ، فكيف يمكن لنظامكم الفقهي والاجتهادي أن يواكب الحياة في العصر الحديث الملئ بالتطوُّر والتكنولوجيا ؟ ! . . الحياة تتغيَّر وفقهكم الإسلامي ثابتٌ ، فما هو السبيل لتناسب الثابت مع المتغيِّر ؟ وكيف يمكن لهذه الشريعة أن تغطّي المتغيّرات ؟ واجه المفكِّر والفقيه المسلم ثغرةً أساسيّة شكَّلَتْ تحدِّياً بالنسبة إليه ، فأين هو البرنامج الاقتصادي الإسلاميّ ؟ وأين هو نظام العلاقات الدوليّة ؟ وأين هو النظام البيئي ؟ ! نعم ، يوجد نظامٌ عباديّ ، يتلخّص بالصلاة والصوم والحجّ والاعتكاف وغيرها ؛ وتوجد بعض الأمور المتعلِّقة بالأمور المدنيّة ، كالبيع والنكاح والطلاق ، لكنْ لا توجد نُظُم بعنوانها العامّ . من هنا فإنّ ما يدفع الفقيه المسلم إلى الدخول في غمار هذا البحث هو الدفاع عن الإسلام ، ليقول : إنّ هناك انسجاماً بين الإسلام والتغيُّرات والتحوُّلات ، بين الحياة المتحوّلة والفقه والشريعة الثابتة . أمّا العامل الثاني ، فهو أنّ الفقيه والمفكِّر المسلم أراد أن يوضح أنّ للإسلام مشروعَ دولةٍ ، ومشروعَ مجتمعٍ ، ومشروعَ حياة . وهذا هو الذي يُطْلَق عليه في الدراسات المعاصرة ( أسلمة الحياة ) . فكيف يمكن لك الحديث عن كلّ مرافق الحياة من غير أن تكون لك رؤيةٌ شاملة ؟ ! مع أنّ الحياة المعاصرة تتبدَّل وتتحوَّل وتتغيَّر بشكلٍ متقارب وسريع . من هنا ؛ ولكي ينطلق مشروع الدولة الإسلاميّة والحركة الإسلاميّة ، أراد الفقيه والمفكِّر المسلم أن يضع جواباً عن هذه التساؤلات . فكيف يمكن له أن يسنّ قوانينه للقرن العشرين على أساس قوانين جاءت في القرن السابع والثامن الميلاديَّين ؟ ! وكيف تستطيع تلك القوانين أن تستوعب وقائع الحياة اليوم وتتكيّف مع تحوّلاتها المتواصلة ؟ ! ربما يمكن الإجابة عن هذه التساؤلات في علاج إشكاليّة الثابت والمتغيِّر في القضايا الفرديّة