تمهيد
تختلف الخطوات اللاحقة التي يريد الاجتهاد الإسلامي أن يخطوها هنا باختلاف النتائج التي يخرج بها الفصل الأوّل ؛ فإذا كان الفقيهُ المسلم قد توصّل إلى عدم شموليّة الشريعة ، أو ذهب إلى اختصاص مفهوم الشموليّة بالصيغة الرابعة له ، وهي حصر المرجعيّة بالله ، لا حصر أحكام الوقائع به سبحانه ، وكوّن لنفسه صورةً مختلفة عن حدود الدين والتوقّعات منه ومساحات اشتغاله على الحياة الإنسانيّة ، ففي هذه الحال عليه أن ينتقل لدراسة المرجعيّة الثانية للتقنين ، والتي تأتي عنده إمّا إلى جانب مرجعيّة الله أو في الرتبة التالية لها كما أوضحنا في الفصل الأوّل ، ومن ثمّ فسيكون هذا الفقيه / المتكلّم ( أو فيلسوف الدين ) معتقداً بعدم شموليّة الشريعة بالمعنى السائد ، وهذا ما سوف نبحثه في الفصل الثالث ، إن شاء الله ونرصد فيه التصوّرات .
أمّا إذا توصّل فيلسوف الدين أو الفقيه / المتكلّم إلى الاعتقاد بشموليّة الشريعة ، بمعنى شموليّة الأحكام الإلهيّة للوقائع ( ما من واقعة إلا ولها حكم / قاعدة نفي الخلوّ / الصيغة الأولى والثانية من صيغ الشمول القانوني المتقدّمة في الفصل الأوّل ) ، ففي هذه الحال عليه أن يستكمل خطواته الهادفة هذه المرّة لتبيين الشمول تبييناً ظاهراتياً توصيفيّاً أو تبييناً وقائعيّاً ميدانيّاً ، بمعنى أنّ عليه أن يجيب عن السؤال الآتي لاستكمال نظريّته : إذا كانت الشريعة شاملة ، فكيف ؟ وما هي الصورة التي تتكوّن نتيجة شموليّة الشريعة ؟
معنى هذا الكلام أنّ الاجتهاد الإسلامي صار مُلزماً بدراسة المواءمة بين هذا المبدأ وبين ظهور الشريعة ظهوراً خارجيّاً ، بحيث تكون بالفعل مغطّيةً لكلّ وقائع الحياة ، فكيف هو شكل الشمول ؟ وما هي الطريقة التي نفهم بها الشريعة بحيث تظهر - منطقيّاً - شاملةً لكل الوقائع وقادرة على تغطية كلّ المتغيّرات والمستجدات ؟ هل يمكن الوصول إلى صيغة معقولة