أولًا : القناعات ، فما لم تتغيّر القناعات والفهوم والأفكار ، من الصعب إجراء تغيير عملي ، مثلًا يجب تغيير الفكرة التي تقول بأنّه لا مشكلة في الحوزة ، فلو بقيت هذه الفكرة فلن يمكن إجراء إصلاح مناهجي . ويجب تغيير الفكرة التي تقول بأنّ الحوزة أفضل من أيّ مؤسّسة علمية أخرى في العالم بحيث لا تحتاج إلى أحد . ويجب تغيير الفكرة التي تقول بأنّ كلّ المشاكل يمكن حلّها بالرجوع فقط إلى الآيات والروايات دون مساعدة العقل الإنساني في وضع الخطط والبرامج ، إلى غيرها من عشرات الأفكار التي تعشعش في الوعي الحوزوي العام ، رغم تراجع الكثير منها في العقود الأخيرة .
إنّ الكثير من الفشل يكمن - أحياناً - في وجود مفاهيم معيقة للتقدّم ، ولهذا يكون الإصلاح الفكري مقدّمةً لزحزحة هذه المفاهيم ، كي يمكن بعد ذلك السير في خطى التقدّم والرقي . وربما يكون هذا هو ما قصده الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ، من ذهابه إلى أنّ إصلاح الثقافة الحوزوية الشائعة يجب أن يسبق إصلاح النظام التعليمي « 1 » .
ثانياً : الاهتمامات ، فما لم تصوّب اهتمامات الطلاب والأساتذة والكادر العام ، من الصعب إجراء تغيير حقيقي ، مثلًا الاهتمام الفقهي والأصولي إذا سيطر على اهتمامات الحوزويين شكّل كارثة ؛ لأنه سوف يتسبّب بتلاشي العلوم الدينية والإنسانية الأخرى كالفلسفة والكلام والأخلاق والعرفان والتاريخ والسيرة والمنطق والحديث والتفسير والرجال والقرآنيات ، وغير ذلك ، فضلًا عن الدراسات الجديدة . كما أنّ تركيز كلّ الاهتمام على الصراع مع تيّار بعينه في الأمّة - كالتيار السلفي مثلًا - يوجب ضمور طاقاتنا إزاء سائر الجبهات كالتيار العلماني
هامش
( 1 ) انظر : الحوار الذي أجري معه ، ونشر في مجلة فقه أهل البيت 35 : 171 - 172 .