قد يقال : إنّكم سوف تتوصّلون لاحقاً إلى أنّ الزكاة تقع أوّليّاً تحت تصرّف الحاكم فالصرف فيها يرجع إليه ، ومن ثمّ فكما يمكن أن يكون إعطاء أو عدم إعطاء الرسول المنافقين من الزكاة راجعاً لحكم أوّلي ، كذلك يمكن أن يكون راجعاً لولايته على المال ، فلا يحرز من سياق الحدث الذي تحكي عنه الآيات أنّ الإعطاء وعدمه شأنٌ تشريعي أوّلي ، بل قد يكون شأناً ولائيّاً .
والجواب : إنّ ظاهر الآية الكريمة أنّه لو كان عدم إعطاء النبي المنافقين في بعض الأحيان راجعاً إلى الأولويات الزمنيّة مع استحقاقهم من حيث الأصل ، لكان لابدّ من التعليل بأمر راجع إلى نظر النبي ومرجعيّته الميدانيّة وضرورة التسليم له - فيكتفى له بالآية السابقة على آية مصارف الزكاة - لا بأمر يبيّن فيه مصرف الزكاة بحسب الحكم الأوّلي .
قد تقول : إنّ هذه الآية لا تفيدكم هنا ؛ لأنّ الطرف الآخر يقبل بإمكان أخذ غير الإمامي من سهم المؤلّفة ، وإنّما الكلام في أخذه من سهم الفقراء والمساكين ونحوهما ، وهذا معناه أنّ الآية الكريمة ببيانها المصارف الثمانية تُدخل المؤلّفة قلوبهم في الحسبان ، ومن ثم يكون المنافق داخلًا بهذا اللحاظ ، وهذا يعني أنّ نفي دخولهم أحياناً راجع إلى عدم انطباق شروط المؤلّفة قلوبهم عليهم ، لا عدم انطباق موازين الفقر ، حتى تكون الآية دالّةً على استحقاقهم بغير عنوان المؤلّفة قلوبهم .
والجواب : إنّه لو كان هذا صحيحاً لم تعد الآية إجابةً مقنعة للمنافقين ؛ إذ سيكون مرجع سؤالهم لا إلى مصارف الزكاة بل إلى مبرّر عدم انطباق أحكام المؤلّفة قلوبهم عليهم في بعض الأحيان التي كانوا يطعنون على النبي صلى الله عليه وآله فيها بعدم إعطائهم من الزكاة ، فلا تكون الآيات الكريمة جواباً عليهم حينئذٍ ، مع أنّ السياق يُفهِمُنا أنّها وقعت في إطار الجواب عنهم في غمزهم وطعنهم .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 344
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٤٤