كما تعرّضنا له في محلّه ، هو آية الجزية ، فلا تنافي هذه الآيات برمّتها وجوب هذا الجهاد . نعم ، تكون هذه الآيات عندما نعرض عليها الروايات المخيّرة بين الإسلام والقتل ، سواء كانت صحيحة السند أم ضعيفة ، ومنها خبر ابن عمر المشهور ، تكون دليلًا على لزوم طرح هذه الروايات ؛ لسقوطها عن الحجيّة بمعارضتها القرآن الكريم وفق البيانات المتقدّمة ، فهذه المجموعات الثلاث الأخيرة تبطل خبر ابن عمر وأمثاله ، لكنها لا تسقط الاستدلال بمثل آية الجزية على شرعية الجهاد الدعوى .
ومعه ، يبقى من أدلّة الجهاد الابتدائي آية الجزية فقط ، وهي تعارض آيات المجموعة الأولى هنا ، فهذه الآيات هنا تسقط شرعية القتال عند عدم الاعتداء ، فضلًا عن وجوبه ، فيما تثبت ذلك آية الجزية وأمثالها على مستوى إطلاقها ، والصحيح تقديم آيات هذه المجموعة الأولى هنا ؛ لأنّ دلالتها أصرح وأخصّ من الدلالات الإطلاقية لمثل آية الجزية ، ودعوى النسخ تقدّمت المناقشة فيها مراراً ، ولا أقلّ من التساقط ، فيسقط وجوب الجهاد الابتدائي .
أمّا إذا أصرّ المفسّر والفقيه المسلم على دلالة آيات القتال ليكون الدين لله وأمثالها ، وفهم أنّ انتهاء الحرب يكون بإسلامهم أو قتلهم ، وقع التعارض المستحكم بين الآيات بمجموعاتها هنا ، وليس فقط مع المجموعة الأخيرة ، فلزم حينئذٍ إمّا الأخذ بالنسخ على طريقة ابن عاشور لعدم إمكان نسخ آية نفي الإكراه وأمثالها كما قلنا ، أو الأخذ بآيات الجهاد الابتدائي ونسخ طوائف هذه الآيات جميعها ، والأوّل أرجح كما بيّنا مبرّره سابقاً ، فيسقط الجهاد الابتدائي مع غير أهل الكتاب بمجمل المجموعات المتقدّمة هنا من الآيات ؛ لأنّه يستبطن الإكراهَ على الدين والحربَ مع من لم يعتدِ على المسلمين ، كما ويسقط الجهاد الابتدائي مع أهل
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 332
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٣٢