والقضيّة لا تكون حينئذٍ بالضرورة طلباً للإسلام وإلا أخذت أراضيهم وألزموا بالجزية ، حتى تفسّر هذه الحالة أيضاً بأنّها شكلٌ من أشكال الإكراه ، بل تكون سيطرةً على بلاد الكفر بعد عدم انضمامها طواعيةً عبر دخول أهلها في الإسلام ، فإن أحبّ شخصٌ الإسلام حاز على بعض الامتيازات الإضافيّة ، وهذا هو الذي يفهم من مثل آية الجزية .
من هنا ، تسجّل ملاحظة على ما يتصّوره بعضهم من أنّ تفنيد فكرة قتل غير أهل الكتاب يساوي إبطال مفهوم الجهاد الابتدائي ، مع أنّه غير صحيح ، فقد يُتصوّر الأخير - أي الجهاد الابتدائي - دون تصوّر الأوّل ، أي تشريع القتل في حقّ غير أهل الكتاب إذا لم يسلموا . نعم ، لو كان الدليل الدالّ على الجهاد الابتدائي يؤكّد في الوقت عينه على مفهوم التخيير بين القتل والإسلام بحيث لم يعد يمكن التفكيك بينهما ؛ لعدم وجود دليل يدلّ على الجهاد الابتدائي ولا يدلّ على الحكم المذكور ، أمكن قبول هذا الكلام ، إلّا أنّ الواقع على خلافه في بعض النصوص التي كانت المستند الشرعي للقول بالجهاد الابتدائي ، فآية الجزية مثلًا - بناءً على الأخذ بإطلاقها لأهل الكتاب وغيرهم كما قال به بعضٌ - لا تدلّ على القتل بتاتاً مقابل عدم الإسلام ، بل تخيّر بين ثلاثة ، وحينئذٍ يكون القتل مقابل عدم الخضوع لنظام الدولة لا مقابل عدم الإسلام ، فلا يضرّ بمبدأ الحريات الدينية ، كما قرّرناه .
إذن ، وطبقاً لما توصّلنا إليه ، فإذا كان المستند التشريعي للفقيه في الجهاد الابتدائي هو كلّ آية أو حديث يقرن أو يَشْرط الجهاد الابتدائي بثنائيّة القتل والإسلام كانت هذه الآيات معارضة له ، أمّا إذا كانت النصوص / المرجع لديه لا تحوي ربطاً بين هذين المفهومين ، فلا موجب للتخلّي عن فكرة الجهاد الابتدائي لأجل المجموعات النصيّة القرآنية الثلاث الأخيرة هنا . وحيث كان أقوى أدلّة الجهاد الابتدائي عندنا ،
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 331
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٣١