القتال الدفاعي ليس إكراهاً على الدين . وثانيها آيات الأمر بقتال المشركين مطلقاً دون غاية ، وهذه يمكن تقييدها بآية الجزية لتكون الغاية هي الخضوع لسطان المسلمين لا التديّن بالإسلام ، فلا تنافي أيضاً آية نفي الإكراه . وثالثها ما كانت له غاية هي كون الدين كلّه لله ، وهذه تعارض آية نفي الإكراه ، فتُنسخ بكلّ من آية الجزية وآية نفي الإكراه ، وتكون النتيجة أنّه قد شرّع الإكراه على الدين لسنوات في المدينة المنوّرة ، ثم نُسخ وألغي بهذه الآية ، وبقي الجهاد الابتدائي الذي غايته الخضوع للمسلمين بدفع الجزية لهم ، وهذا الرأي يقف على النقيض من الأقوال المشهورة بين المفسّرين « 1 » .
وهذه المحاولة التي قدّمها ابن عاشور يصعب إثباتها تاريخياً ، لا سيما بعد اشتهار تأخّر نزول سورة براءة ، ومن ثم يكون إثبات النسخ بهذه الطريقة عسيراً أيضاً ، حيث يمكن للطرف الآخر أن يدّعي تقدّم نزول آية نفي الإكراه على مجموع آيات الجهاد الابتدائي ، ثم نسخها من قبل تلك الآيات ، ثم حصول نسخ داخل تلك الآيات بين آية الجزية وغيرها ، على الطريقة التي عرضها ابن عاشور نفسه ، وهذا ما يضطرّه لإثبات عدم إمكان نسخ آية نفي الإكراه ، ولو من خلال تعليلها بتبيّن الرشد والغيّ كما تقدّم ، فإذا فعل ذلك - كما هو الصحيح - اقترب من تصويب الجمع .
وبالنسبة لنا ، فحيث لم نجد دلالة في آيات القرآن الكريم على الجهاد الابتدائي غير آية الجزية - على كلام كان لنا فيها - فإنّ نظرية النسخ بهذه الطريقة لن نحتاج إليها من الأساس ، وسيأتي حلّ التعارض المفترض بين النصوص القرآنية إن شاء الله .
هامش
( 1 ) ابن عاشور ، التحرير والتنوير 2 : 499 - 501 .