يفيد نفي الإكراه الظاهري فيتمّ الاستدلال بها ، لكنّ السبب في العدول عن ذلك هو ضرورات الجمع والتوفيق بينها وبين آيات الجهاد ، فنلتزم بحملها على نفي الإكراه الباطني ، مقرّاً بأنّ مجموعات الآيات كلّها تدلّ بنفس الطريقة « 1 » .
ثانياً : إنّ هذه الآية منسوخة بآيات القتال وآية الجزية وآيات سورة براءة وأمثالها ، فلا معنى للاستناد إليها هنا « 2 » .
والجواب - بعد صرف النظر عن أنّ هذا الفريق من العلماء قد فهم من آية نفي الإكراه ما فهمناه ، لا ما فهمه العلامة الطباطبائي ، ولهذا اضطرّ لافتراض النسخ - : إنّ هذه الآية محكمة ، إذ لا معنى لنسخها ، وذلك - كما يقول العلامة الطباطبائي - لأنها معلّلة ، وهذا التعليل لا يمكن القول بنسخه ، إذ الحقّ والباطل قد بانا ، فهل ينسخ ذلك بأنهما لم يتبيّنا بظهور الإسلام ، فالناسخ ما لم ينسخ علّة المنسوخ لا يمكنه نسخ حكمه « 3 » .
ويضاف إلى ذلك ، أنّ هذه الآية مدنية وتلك الآيات مدنية أيضاً ، ولا يتوفر لنا سبيل حاسم للتأكّد من المتقدّم منهما والمتأخر حتى يدّعى النسخ ويجزم به ، وإن قيل بنزول سورة براءة في آخر ما نزل ، ولسان هذه الآية أبعد عن النسخ من آيات الجزية و . . هذا مضافاً إلى عدم دلالة تلك الآيات - غير آية الجزية - على الإكراه والجهاد الابتدائي كما مرّ حتى نفترض النسخ ، وسيأتي الحديث عن آية الجزية أيضاً إن شاء الله تعالى .
هامش
( 1 ) الحائري ، المرجعيّة والقيادة : 238 - 240 .
( 2 ) راجع - على سبيل المثال - : ابن حزم ، الناسخ والمنسوخ : 30 ؛ وابن الجوزي ، نواسخ القرآن : 93 .
( 3 ) الطباطبائي ، الميزان 2 : 343 - 344 .