يكون واضحاً أكثر ، إذ يصير المعنى : لا تجبروا أحداً إجباراً ظاهرياً على اعتناق الدين ؛ لأنّ الحق والباطل صارا واضحين جداً ، فليوكل الأمر إلى الإنسان نفسه كي يختارهما ويتحمّل مسؤولياته تجاههما ؛ إذ لو كان الحقّ والباطل غير باديين لم يكن يمكن تحميل الإنسان مسؤولية الاختيار بينهما ؛ لأنّه لن يرى الأمور حينئذٍ ، مما يجعل تحميله لأحد الطرفين - حيث لن يُقدم بنفسه عن وعي وبصيرة - متصوّراً فيه الإكراه والتوجيه القهري تماماً كحال الطفل غير المدرك للأمور ، فهذا المعنى الثاني أقرب إلى تناغم صدر الآية وذيلها ، هذا مضافاً إلى أنّه ما الفائدة في إخبار الله تعالى لنا أنّ أفعال القلوب لا معنى للإكراه فيها على نحو الجملة الخبرية ، وماذا تريد الآية أن توصل إلينا عبر هذه الجملة الخبرية على هذا التقدير ؟
قد يقال : إنّ الآية لا يمكن أن تنهى عن أمرٍ لا يمكن تحقّقه ، فإذا كان الدين من أفعال القلوب ولا يمكن الإكراه فيها ، فلماذا تنهى الآية عن هذا الإكراه ؟ فهذا أشبه شيء بالنهي عن الجمع بين النقيضين .
والجواب : إنّ هذا الكلام قد يرد على رأي العلامة الطباطبائي ، لكننا ألمحنا سابقاً إلى أنّ العرف هو المرجع هنا ، والفهم العرفي والعقلائي يرى أنّ الإكراه الظاهري على الإسلام الظاهري مما يصدق عليه أنه إكراه في الدين ، ولهذا لما ذكروا شأن ن - زول الآية تعرّضوا لأمثلة لا علاقة لها بأفعال القلوب ، مما يكشف عن أنهم استساغوا توصيف ذلك بأنه إكراه ولم يأنفوا منه ، حتى لو كانت الرواية في أصلها غير ثابتة ، وشاهد ذلك ما تراه من نفسك ووجدانك لو خيّر إنسان بين الموت والإسلام ، ألا يقول العرف ، وألا نرى في وجداننا : أنه أكره على الإسلام ؟ فمعنى الآية ظاهري ، وإن كان الفعل القلبي لا معنى للإكراه فيه فلسفياً .
واللافت أنّ السيد كاظم الحائري أقرّ بأنّ البقاء مع آية نفي الإكراه لوحدها
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 322
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٢٢