يضاف إلى ذلك أنّ تكرّر مجموعة آيات سابقة في تأكيد فكرةٍ ما ، مع مجيء آية واحدة لا نظر لها إلى ما سبق ، يصعب معه قبول النسخ فيه ؛ إذ يرى العرف أنّ التصرّف الدلالي في الدليل الجديد أقرب من نسخ جملة آيات مؤكّدة لمفهوم واحد ، علاوةً على أنّ الآيات المدنية هنا لا نعلم سبقها أو لحوقها لآية الجزية التي جعلناها سابقاً الآية الوحيدة الدالّة ، وبذلك لا يوجد ما يؤكّد النسخ حينئذٍ .
ثالثاً : إنّ أقصى ما تعطيه أغلب نصوص هذه المجموعة من الآيات الكريمة هو نفي وجوب الجهاد الابتدائي ، لا نفي مشروعيّته .
4 - 1 - الجهاد الابتدائي ونصوص نفي الإكراه في الدين
وردت في القرآن الكريم نصوص تنفي الإكراه في الدين ، وفد فصلناها عمداً عن نصوص الحرية الدينية المتقدّمة ؛ لأنّ إطارها البياني ينفي الإكراه على الإسلام ، فيما الإطار البياني لتلك المجموعة يمنح الرخصة في إظهار غير الإسلام ، والآيات هنا هي :
أ - قوله تعالى - حاكياً على لسان نوح - :
( قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ )
( هود : 28 ) .
وهذه الآية مكية تتحدّث عن الحوار الذي جرى بين نوح عليه السلام وقومه ، وكأنها تؤكّد - باستفهامها الإنكاري في آخرها - على قضية عقلائية مستكنّة في الوعي الإنساني ، وهي أنلزمكم بما بان لي واتضح مع أنكم كارهون له ؛ إنّ هذا أمر غير منطقي .
وعليه ، فتكون الآية تقريراً لمبدأ عدم الإكراه في الدين ، إذ ما داموا لم يقتنعوا