إيمانكم هذا أيّ ردّ فعلٍ سلبي ، وإذا أردتم الكفر فلكم ذلك أيضاً ، ولن تجدوا في مقابله إلا الجزاء الأخروي ، فلا يضرّ هذا التخيير بأيّ مبدأ عقدي أو كلامي ، نعم لو كانت الآية بصدد الأمر بالكفر فقط أو الترخيص به ثمّ التوعّد بالنار ، لصحّ ذلك تهديداً ، كأن تقول : اكفروا وسترون ما لا تحبّون ، مع أنّ هذه الآية بالخصوص ليست كذلك .
رابعاً : حاول العلامة الطباطبائي أن يجعل هذا المقطع
( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ . . )
خارجاً عن مقول القول ، فيكون معنى الآية : قل لهم : ( إنّ الحقّ من ربّكم ) ، فمن شاء منهم أن يؤمن بعد قولك ذلك له فليؤمن ، فلا إيمانه ينفعنا ولا كفره يضرّنا « 1 » ، فلا تكون الآية في سياق إعلان بيان قانوني بالتخيير ومنح الحرية العقديّة .
ولكنّني لا أعتقد أنّ تغيير مساحة مقول القول مؤثرة هنا في الدلالة على موضوع البحث ؛ فسواء كانت من مقول القول أم لا ، فإنّه في نهاية المطاف قد حظينا بنصّ قرآني يعلن التخيير ، وإضافة أنّ الإيمان لا ينفع الباري تعالى والكفر لا يضرّه ، إنّما جاءت من العلامة نفسه ، وليس لها في الآية وجود حتى ندرجها فيها ، فيكون معنى الآية - بعد الإخراج عن مقول القول - : وقل الحق من ربكم ، فمن أراد منهم بعد قولك هذا له أن يؤمنَ فله ذلك ، ومن أراد أن يكفر فهو حرّ مختار ، لكننا سنواجهه بالعذاب يوم القيامة .
ب - قوله تعالى :
( إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ )
( الزمر : 41 ) .
إنّ هذه الآية الشريفة تقرّر أنّ الأمر في الهداية والضلال راجعٌ إلى الإنسان
هامش
( 1 ) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن 13 : 303 - 304 .