علاقة العليّة الحتمية بين المقدّمات والنتيجة في الذهن ، فالنتيجة عنده هي العقيدة ، ومن ثم لا اختيار فيها ؛ لأنّ أمرها قهري يأتي بتبع تبلور المقدّمات في الذهن ، على خلاف الحال في المقدّمات نفسها فإنّ الاشتغال عليها أمر سلوكي حرّ يمكن للإنسان فعله ويمكن تركه .
وسبب الالتباس هنا هو الخلط بين الاعتقاد بوصفه ظاهرة باطنية ، وحريّة العقيدة بوصفها ظاهرة إثباتية بيانية ، ولهذا لم تقصد شرعة حقوق الإنسان من حرية المعتقد ذلك البُعد الفلسفي ، وإنّما البيان والإبداء ، ولهذا أيضاً ربطت حرية العقيدة هناك بحرية البيان .
وعندما نتحدّث عن حريّة البيان الاعتقادي في الإسلام فنحن نقصد أدنى معاني البيان ، وهو إظهار الفرد أنّه يعتقد بغير الإسلام ، مقابل التفتيش والإلزام العقائدي والمنع عن إعلان الاعتقاد ، أما حريّة البيان بالمعنى الواسع الشامل لحرية التجمّعات والإعلام والصحافة والمطبوعات ، فهذا موضوع مختلف من زاوية القوانين الإسلاميّة ، لا ربط له ببحثنا هنا .
وعلى أيّ حال ، فأهمّ الآيات الكريمة التي تتداول في سياق إثبات حريّة المعتقد ، هو :
أ - قوله تعالى :
( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً . . )
( الكهف : 29 ) .
فالآية الشريفة دالّة على أنّ الحقّ - أي الإسلام - من عند الله تعالى ، وأنّ الأمر راجعٌ إلى الناس أنفسهم ، فإن شاؤوا الإيمان فبها ونعمت وإلا فليكفروا ، وعلى تقدير كفرهم لم تشر الآية إلى الحياة الدنيا وأنّ هناك أثراً سيترتّب على كفرهم فيها ، كلّ ما في الأمر أنّهم سيواجهون جزاءهم في الآخرة ، الأمر الذي يؤكّد أنّ الكفر لا