الآية بصدد نفي سيطرته التكوينية على القلوب لا نفي السلطنة الظاهرية التي تكون بالإكراه على اعتناق دين ما « 1 » .
ولكنّ هذا التفسير وأمثاله للآيات ربما يواجه مشكلة الفهم العرفي ، فإنّ بعض المفسّرين - لا سيما العلامة الطباطبائي - ربط مجمل الآيات التي نذكرها في هذا البحث بالبُعد الوجداني والقلبي الباطني ، معتبراً ذلك أساساً ، مع أنّ العرف لا يحصر فهمه بهذه الطريقة المنبثقة من تحول التديّن إلى فعل قلبي وإخراجه عن أن يكون اندماجاً في الاجتماع الديني ، فأنت تقول لزيد ذكّر بكراً بما يجب عليه فعله وليس مطلوباً منك أكثر من هذا فأنت لا تملك سلطةً عليه ولا سيطرة ، أو تقول ذكّره بالدين وليس مطلوباً منك أكثر من هذا فلست مسلّطاً عليه ، إنّ هذا التركيب يفهم منه القهر والإكراه لا البعد الباطني فقط ، علماً أنّ ما يذكّر به النبيّ ليس خصوص الاعتقادات ، بل يشمل السلوك والتصرّفات والأخلاقيات أيضاً ، مما يمكن أن يكون له مباشرةً مدلول عملي ظاهري ، وليس من أفعال القلوب فقط ، فالآية في محصّلتها تريد أن تبيّن للنبي أنّ وظيفتك البيان ، وليست لك أيّ سلطة عليهم بحيث تستطيع إدخالهم في دينك ، فأولئك الذين يتولّون منهم إنما يكون التعاطي معهم عندي عبر العذاب الأكبر الذي ينتظرونه .
ومثل هذه الآية الشريفة ، قوله تعالى :
( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ )
( ق : 45 ) « 2 » .
وقد تواجه هذه الآية المشكلة نفسها ؛ فإنّ السورة مكية ، ومعنى جبّار أي متسلّط
هامش
( 1 ) الحائري ، المرجعيّة والقيادة : 238 ؛ وفضل الله ، من وحي القرآن 24 : 231 - 232 .
( 2 ) انظر : محمد الشيرازي ، الصياغة الجديدة : 335 ؛ وحسن الصفار ، التعدّدية والحرية في الإسلام : 67 ، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ، الطبعة الرابعة ، 2010 م .