والرؤية الفقهية لمفهوم الجهاد الابتدائي إنما يصحّ في الأمور بحسب الواقع ، ولهذا ذكرنا هذه التفرقة في مقام الحديث عن الأصول والقواعد العقلية في باب العهدة وتحمّل المسؤولية ، أما عندما تدخل المسألة باب الظهورات اللفظية فلابدّ من الرجوع إلى العرف ليُرى ما هو المراد من منح مشيئة الكفر والإيمان للإنسان ؟ فهل تخيير إنسانٍ بين الموت والإسلام هو بنظر العرف مفهومٌ موافقٌ لهذه المشيئة التي يقدّمها نصّ الآية السابقة أم لا ؟ وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الأمر إن شاء الله تعالى .
ثالثاً : قد يناقش في دلالة هذه الآية أيضاً بما ذكره العديد من المفسّرين وعلماء القرآنيات ، بأنّ صيغة الأمر الواردة فيها ليست للطلب أو للتخيير ، وإنّما هي للتهديد ، تماماً مثل قوله تعالى :
( لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ )
( النحل : 55 ) ، ومن ثمّ فلا معنى لربط الآية بالحرّية الدينية ومنح اختيار العقيدة « 1 » .
إلا أنّ هذا الكلام غير صحيح ؛ بل هو فهم للصيغة نتيجة فهم مسبَق للمعنى نفسه ، فلو صحّ هذا لكان معنى ( من شاء فليؤمن ) هو التهديد أيضاً ، مع أنّه واضح في عدم إمكان ذلك ، ولعلّ ما دفعهم إلى هذا الأمر عدم تعقّلهم إمكان أن يخيّر الله الناس بالكفر أو يطلبه منهم فيجعله في مصاف الإيمان ، بما يوحي بأنّ الكفر فعلٌ جائز ، تماماً كما هي خصال الكفارات المخيّرة ، مع أنّ الآية الكريمة لا تعني ذلك ، بل هي واضحة في ترجيح الإيمان من خلال المقطع اللاحق منها والمتحدّث عن النار ، فهي تريد أن تقول : إذا أردتم الإيمان فلكم أن تؤمنوا ولن يكون لدينا مقابل
هامش
( 1 ) راجع - على سبيل المثال - : التبيان 3 : 18 ، و 5 : 236 ، و 7 : 36 ؛ ومجمع البيان 6 : 338 ؛ والنحّاس ، معاني القرآن 4 : 74 ؛ والسرخسي ، أصول الفقه 1 : 192 - 193 ؛ والتفسير الكبير 21 : 210 .