بمسيطرٍ عليهم ليلزمهم بديانته ولا بمتسلّط على شؤونهم ليدخل الإيمان فيهم ، مما يكشف - بشهادة أداة الحصر - أنه ليس من وظائف النبي غير ذلك « 1 » ، فلو كان الجهاد الابتدائي واجباً لما صحّ سياق مثل هذه الآية ولسانها ، كما هو واضح .
لكن قد يلاحظ هنا أولًا : إنّ هذه الآية مكية ، فلعلّ المراد : حيث إنك لست بمسيطر عليهم ولا تملك إلزامهم بشيء فليس أمامك سوى وظيفة التذكير والبيان دون أن يؤدّي ذلك إلى افتراض النسخ بآيات القتال « 2 » ، لفرض كون الآية معلّقة منذ البداية على عدم تسلّطه عليهم - وهو إخبار لا إنشاء - فيكون تغيّر الحكم لوجود تحوّل في موضوعه القائم عليه ، لا لوجود النسخ . وأما الاستثناء الوارد في الآية فهو - بقرينة الآية التي لحقتها - منقطع لا متصل ، كما صرّحوا به « 3 » .
لكنّ هذا الاحتمال لو استطاع إرباك فهمنا لهذه الآية الكريمة ، إلا أنّه سوف يتلاشى تدريجيّاً عندما نجد أنّ الآيات الأخرى تؤكّد مفهوم عدم السلطنة ، بوصفه أساساً في المشروع النبوي ، لا سيما مع كون بعضها مدنيّاً .
ثانياً : فهم العلامة فضل الله والسيد كاظم الحائري من هذه الآية السيطرةَ التكوينية على العقل والوجدان ، وأنّ هذا الأمر من مختصّات القدرة الإلهيّة ، فتكون
هامش
( 1 ) انظر : وهبة الزحيلي ، حقوق الإنسان في الإسلام : 174 ، دار الكلم الطيب ودار ابن كثير ، دمشق وبيروت ، الطبعة الثانية ، 1997 م ؛ ومحسن كديور ، حرية الدين والعقيدة في الإسلام ، مصدر سابق : 110 ؛ ومحمد علي أيازي ، مباني حقوق بشر إسلامي ، ضمن كتاب حقوق بشر در جهان امروز : 63 ، شركت سهامي انتشار ، الطبعة الأولى ، 2004 م ؛ ومحمد الشيرازي ، الصياغة الجديدة : 335 ، مركز نشر الفكر الإسلامي ، الطبعة الأولى ، 1985 ؛ وهاشم آقاجرى ، صورت بندى جمعى آزادى در جامعه ديني ، ضمن كتاب : رابطه دين وآزادى : 52 .
( 2 ) راجع حول دعوى النسخ : الطبرسي ، مجمع البيان 10 : 728 .
( 3 ) انظر - على سبيل المثال - : المصدر نفسه 10 : 725 .