وامتياز هذه الآية عن سابقتها أنّ ظهورها في النهي قويٌّ ، فيما تدلّ السابقة على رفع الإلزام ، مع احتمال ظهورها فيما هو أزيد ، كما ألمحنا ، فتكون هذه الآية معارضةً - بوضوح - لما دلّ على الوجوب في هذه الحال ، ومسألة النسخ بآيات سورة البراءة وغيرها تقدّم جوابه .
ج - قوله سبحانه :
( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ )
( الأنفال : 61 - 62 ) .
المعطى في هذه الآية الكريمة يفيد أنّه إذا تأكّدنا من ميل الطرف الآخر للسلام ورفع الحرب والاعتداء لزم على المؤمنين الإجابة لذلك ، مع الأخذ بعين الاعتبار موضوع الخديعة ، ولو كان الجهاد الابتدائي ثابتاً لم يكن معنى للإلزام بالمسالمة عندما يميل إليها الطرف الآخر مطلقاً ، كما هو واضح ، بل وجب قتاله حتى لو تأكّدنا من إصراره على السّلم ، ولهذا حرّم غير واحدٍ من الفقهاء أن تزيد مدّة معاهدات الهدنة مع غير المسلمين على العام الواحد ، وأوصلها بعضهم إلى عشر سنوات ، حتى لو أراد الطرف الآخر الهدنة لأكثر من ذلك .
د - قوله تعالى :
( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )
( البقرة : 190 ) .
تأمر هذه الآية الكريمة - أولًا - بمقاتلة من يُقاتل المسلمين ، ثم تنهى - ثانياً - عن الاعتداء ، وهذا ما يُفهم منه بوضوح أنّ القتال محصور بمن يُقاتل ، وأنّ مقاتلة من لا يقاتل تُعتبر اعتداءً ، والله لا يحبّ المعتدين ، فتكون محرّمةً ، وهذا ما يلغي الجهاد الابتدائي ؛ لأنّ الجهاد الابتدائي ليس قتالًا لمن يُقاتل ، فيندرج ضمن مفهوم