آثاره عليه ، وتمنع - ثانياً - من فهم الإطلاق أو العموم من آية الوفاء بالعقود ، ولهذا جعلناها مناقشةً هنا .
وهذا الكلام كلّه قد يعلّق عليه بتعليق منهجي ، وهو أنّ الشارع عندما نظر إلى العقود المعهودة ، هل نظر إليها كما ينظر العرف ، أم أنه نظر إلى بُنيتها المعامليّة المخضَعة للتحليل والتفكيك ؟ فهل قرأ المزارعة مثلًا على أنها عقدٌ مستقلّ مغاير للشركة أو الإجارة ، أم تعامل معها - عندما كان يضع القوانين المعامليّة - بوصفها عقد إجارة أو عقد شركة ؛ لأنه يمكن إرجاعها بالتحليل إلى عقد شركة أو إجارة ؟
مقتضى الكلام المتقدّم أنّ الشارع ناظرٌ إلى البنى التحليليّة لمضمون المعاملة ، لا إلى التلقّي العرفي والعقلائي العام لها ، فالعقلاء - مثلًا - لا يجعلون المزارعة شركةً أو إجارة ، بل يفهمونها عقداً مستقلًا عن سائر العقود ، فلو سمعوا المولى يقول : عقد الإجارة صحيح ، فمن غير المعلوم أن يفهموا منه تصحيح عقد المضاربة ؛ لأنّ عقد الإجارة في ذهنهم العقلائي ينصرف إلى الإجارات المعروفة التي لم يخصّص لها العقلاء تسميةً خاصّة إضافيّة لا توحي بإجاريّتها ، حتى ولو استطاع الفقيه والقانوني تحليلَ عقد المضاربة بما يرجعه إلى إجارة ، ولهذا لو شرط معلوميّة مقدار الأجرة في الإجارة ، فهو لا يرى ذلك معارضاً لما دلّ على جواز المضاربة أو المزارعة التي لا يُعلم بها مقدار نصيب العامل من الربح حال العقد ، بل يراهما ظاهرتين مستقلّتين على مستوى التلقّي العقلائي العام .
ولو استطعنا إثبات أنّ العقلاء يفهمون المضاربة مثلًا على أنّها شكل من أشكال الشركة فلا بأس بذلك ، لكنّ هذا غير أن نقول بأنّه يمكن بالتحليل إرجاع المضاربة إلى شركة ، فإنّ الإمكان التحليلي هذا لا يعني بالضرورة تلقّي العقلاء بفهمهم العام لمضمونه حتى لو كان صحيحاً واقعاً .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 281
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٨١