تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
أنّنا لسنا بحاجة لعمومات الوفاء بالعقود وأمثالها ، بل يكفي سكوت الشارع ؛ وذلك أنّ السيرة العقلائية جارية منذ بدء الخلق على اختلاق معاملات كلّما تطوّرت بها الحياة ، وأنّ الشارع على علمٍ بهذه التطوّرات ، وأنه يعلم بأنّه بعد عصر النص ستظهر معاملات جديدة في حياة العقلاء ، فسكوته عن هذه الاعتبارات القانونية إمضاءٌ لها ، فهو لا يمضي العقود المعهودة ، بل هو يمضي نكتة العقديّة التي يستعين بها العقلاء لتسهيل مهمّات تعاملهم فيما بينهم . ونظام التشريع الإسلامي في باب المعاملات نظامٌ إمضائي ، فلم يؤسّس الشرع للبشر معاملات جديدة ، وإنما نظر إلى التجربة البشريّة ووضع ما يعتبره المحاذير والموانع والمحرّمات والضوابط ، تاركاً كلّ العمليّات الاقتصادية على حالها . ويشهد لذلك أنّ تسعةً وتسعين في المائة من أحكام المعاملات الماليّة تكمن أدلّتها إما في العمومات أو في الارتكازات العقلائيّة أو في النصوص الخاصّة الموافقة للعمومات والارتكازات أو في بعض التعديلات الجزئية ، كما يلاحظ بمراجعة كتب الاستدلال الفقهي ، لا سيما عند المتأخّرين . من هنا يقال بأنّ الشارع أمضى النهج العقلائي في باب المعاملات ، وليس واقع التجربة الزمنيّة المعاصرة لزمن النصّ فقط ، وترك للعقلاء الحريّة في تنظيم حياتهم ومعاملاتهم الاقتصادية ، غاية الأمر أنّه وضع مجموعةً من الضوابط الأخلاقيّة والشرعيّة كحرمة الربا وأكل المال بالباطل ونحو ذلك مما ليس بالقليل ، الأمر الذي يُفهم منه أنّ أيّ معاملة يقوم بها العقلاء ( والعقد شريعة المتعاقدين ) هي شأنٌ راجعٌ إليهم ، وأنّ الشارع يتمركز غرضه في عدم تخطّي تلك الحدود والمحاذير والمعايير ، لا في النظر في وضع العقود وتفاصيلها ، وبهذا البيان يتمّ تخطّي مسألة الاعتماد على أصالة الفساد الأوّلية .