فكما يمكن للإنسان أن يستشير شخصاً بنفسه يمكنه أن يكلّف غيره بذلك « 1 » .
وهذا الكلام يبدو على ظاهره أنّه سليم ، لكنّ مشكلته - كبعض الوجوه السابقة - أنّه لم يأخذ بعين الاعتبار أنّ هذه المشاورة ليست كأيّ مشاورة ، وإنّما ترجع في جوهرها إلى علاقة عبادية دعائية مع الله تعالى كما هو ظاهر مجمل نصوص الاستخارة ، والسؤال هو : هل المشاورات التي تكون من هذا النوع يمكن فيها المباشرة والتكليف أم أنّها بطبعها من شؤون المباشرة ؟ ولو أنّ إنساناً كلّف غيره فهل قام بفعل مستحبّ الاستخارة أم لا ؟ لقد غفلنا هنا عن نقطة مهمة وهي أنّ الاستخارة ترجع إلى جانب طريقي لمعرفة حُسن الفعل ، وآخر موضوعي وهو العلاقة مع الله تعالى ؛ لأنها استجابة لدعاء حسب الفرض ، لا محض مشورة ، فأين هو الدعاء الذي يراد استجابته هنا عندما لا يتوجّه العبد إلى الله أساساً ، بل يكلّف غيره فعل ذلك . والحاصل أنّ هناك عدم مسانخة بين مشاورة الله تعالى ومشاورة الناس ، فتسرية حكم مشاورة الناس إلى مشاورة الله تعالى غير واضح . ومن هنا يظهر ما في مقاربة بعض المعاصرين ، حيث ذكر أنّ الاستخارة كالقرعة فكما ورد في القرعة استحباب الدعاء معها مع أنّها تجوز حتى بالنيابة فكذلك الحال في الاستخارة « 2 » .
فإنّ القرعة غير متقوّمة بالدعاء وإن استحبّ الدعاء معها ، أمّا الاستخارة فلابد من تحقيق هل هويّتها عبادية دعائية أم لا ؟ فلا تقع الاستخارة بدون دعاء وأمثاله ، أما القرعة فلا تحتاج لا لقصد القربة ولا للدعاء ولا لأيّ توجّه إلى الله تعالى . من هنا فمركز البحث في الاستخارة ينبغي أن يكون في هويّتها من هذه الناحية .
هامش
( 1 ) راجع : الحدائق الناضرة 10 : 533 .
( 2 ) المازندراني ، مباني الفقه الفعّال 3 : 355 .