مجموع هذه النصوص يريد أن يقول بأنّ أمامك طرقاً لمعرفة حُسن الفعل والخير فيه ، منها التدبّر الذاتي ، ومنها مشاورة الغير ، ومنها الاستخارة ، فلا يوجد تمانع بينها ، فكما أنّ دليل المشورة لا يلغي دليل حُسن التدبّر الذاتي ، كذلك الحال في دليل الاستخارة ، فكأنّ هذه الأدلّة تثبت استحباباً تخييرياً لهذه الثلاثة وبإمكان الإنسان أن يختار هذه السبل ما دامت للإرشاد ، تماماً كالمستحبّات الكثيرة التي يصعب الجمع بينها .
ثالثاً : إنّ عدم شيوع الاستخارة الاستشاريّة في القرون الهجرية الأولى ، لو تغاضينا عن كونه كاشفاً عن عدم وجودها أساساً ، قد يكون لعدم اختيار الناس هذا السبيل إلا عند انسداد سائر السبل ، وترجيحهم سبيل التدبّر الذاتي أو الاستشارات بحسب ثقاقتهم العامة ، تماماً كما هي الحال اليوم حيث ندر أن يُجري أحد الاستخارة في كلّ شيء من مهماته حتى بعد شيوعها . ويشهد له طبيعة الأسئلة في روايات الاستخارة حيث يُفهم من كثير منها أنّهم يسألون بعد الحيرة ، كما أنّ الاستخارة شأنٌ شخصي وليس طقساً من الطقوس حتى يشتهر بين أبناء المذاهب ، لا سيما لو قلنا بعدم جواز الاستنابة فيها .
من هنا ، فالصحيح في معالجة هذا الموضوع هو :
أ - أما إذا أخذنا الروايات الصحيحة السند خاصّة ، فإنّ موردها كان حال التحيّر ، كما في صحيحة ابن إسباط ( وابن فضال ) في تجارة البرّ والبحر ، وكما في قصّة الضيعتين اللتين يخشى عليهما من السلطان ، فإنّ ظاهرها أنّ المورد فيه تحيّر .
نعم ، الخبر الصحيح في الاستخارة بالمشورة ليس فيه ذلك ، وهذا لا بأس به ؛ لأنّ الاستخارة بالمشورة ليست سوى اندكاك بين الاستخارة والاستشارة
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 228
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٢٨