والحرب والمعارضة والموالاة وسائر الأمور ، ولم نجد منهم تبرير أيّ خطوة فعلوها بأنّهم استخاروا الله تعالى استخارةً استشاريّة كالسبحة أو المصحف أو الرقاع أو غير ذلك ، فلو كان ذلك - والمفروض عموميّة الاستحباب لكلّ الأفعال - لنُقل لنا ووصل ولو بطريقٍ ضعيف ، وهو من الشؤون العامة لا الشخصية التي قد لا تصل . والمفروض عدم وصول شيء ، فيكشف ذلك عن عدمه ؛ لبعد ترك كلّ هؤلاء لهذا المستحبّ طيلة ثلاثة قرون وبهذه الطريقة .
علماً أنّ النصوص دلّت على الشورى في إدارة البلاد ، وحثّ النبيّ على مشاورة أصحابه ، وهذا كلّه ينافي الإطلاق المدّعى هنا ولو بنحو التأييد .
إلا أنّ هذا الكلام كلّه لابد أن يُفترض بناؤه على أنّ الاستخارة تجري مطلقاً وتستحبّ مطلقاً في كلّ الحالات ، أي مع التحيّر وعدمه ، ومع اليأس من الحلّ وعدمه ، أمّا لو قلنا بأنّ الاستخارة تجري فقط في حال فقدان المكلّف كلّ المرجّحات العقليّة والعقلائية والشرعيّة للفعل ، بمعنى بلوغ حدّ التحيّر التام والتردّد التام المسبوقَين باستفراغ الوسع في البحث والفحص ، ففي هذه الحال أيّ مانع - والمورد قليل - من إجراء الاستخارة بعد انسداد الطرق بأكملها دون مرجّح لخيار على خيار آخر ؟ نعم ، لو بني على إطلاق دليل الاستخارة لحالات عدم التحيّر المشار إليه لكان ما أشرنا إليه قبل قليل منبّهاً وجدانيّاً يعيق الاطمئنان بانعقاد إطلاق في النصوص .
وهذا الكلام كلّه ، ينبغي أن نخرج منه - إلى جانب الاستخارة الدعائية - الاستخارة بالمشورة ؛ لأنّ هذا الطريق يتّحد تقريباً مع السبيل العقلائي في اتخاذ القرار في الشؤون العامة ، فلا موجب لهدر إطلاق مثل دليل الاستخارة بالمشورة وفيه ما هو الصحيح سنداً كما تقدّم ما لم يطرأ عنوان آخر . وكذلك الحال في
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 221
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٢١