الحضاري والفشل السياسي والاجتماعي يخلق بطبيعته إحباطاً عاماً وسعياً للهرب من الواقع ، فيظهر على العقل الديني والجمعي تياران :
التيار الأوّل : التيار التاريخي الماضوي ، وهو التيار الذي يرغب في الفرار من جرح الواقع نحو الماضي الجميل ، ماضي الأمجاد والقامات الشامخات والشخصيات المقدّسة الطاهرة ، وهنا تظهر عند هذا التيار مقولات التاريخ والعقائد أكثر من أيّ مقولات أخرى ، فبهذه الطريقة يتمّ تناول مخدّر الماضي للفرار من مسؤوليات الحاضر وأوجاعه ، وتنمو في هذا المناخ الثقافات المذهبيّة القائمة على صراعات الماضي وخلافات الجيل الإسلامي الأوّل بعد النبي ، وقد رأينا كيف أنّ القرن السادس شهد هذه الصراعات ، ورأينا كيف كان سقوط عصر الازدهار البويهي على يد السلاجقة منتصف القرن الخامس الهجري ما عزّز هذا المناخ بشدّة .
التيار الثاني : التيار الصوفي أو الروحي الباطني الانعزالي ، الذي يحاول التقليل من حجم البُعد الاجتماعي والسياسي والتربوي و . . في المنظومة الدينية لصالح البُعد الروحي الفردي ، فتنمو عنده مقولات قلّة الكلام وقلّة الطعام وقلّة النيام ، وقلّة الاختلاط ، وتتركّز عنده العبادات والتوكّل والتسليم والذكر والدعاء والتأمّل و . .
ولو لاحظنا سنجد أنّ الشيخ محي الدين ابن عربي ( 638 ه - ) « 1 » ، والشاعر
هامش
( 1 ) الملفت أنّ الشيخ ابن عربي تحدّث في كلامً له أنّ الاستخارة هي تعيين ما اختار الله لهذا العبد فعله أو تركه ، ممّا يقرّب تفسيره من الاستخارة الاستشارية غير الرائجة في الأوساط السنيّة المذهبيّة ، فانظر له : الفتواحات المكيّة 1 : 488 ، ورغم أنّه وعد هنا بأنّ تفصيل الاستخارة سيأتي لاحقاً وسيشرح الموضوع ، لكنّه عندما عاد وتعرّض للاستخارة في محلّه لم يذكر إلا الاستخارة السائدة ، وهي الاستخارة الدعائيّة ، جرياً على طريقة سائر علماء أهل