يضاف إلى ذلك أنّ إعراض المتشرّعة عن ذلك أو قلّة عملهم به ربما يرجع إلى أنّ العبد يظلّ متحيّراً عادةً ، فكأنّه يطلب من يعطيه الجواب خارج ذاته ، فيذهب ناحية الوسائل الأخرى ، لا لضعف هذه الاستخارة .
على أنّني لم أفهم الوجه في كون هذه الاستخارة خلاف الاحتياط دون غيرها ، فإن قصد أنّ إعراضهم يسقطها عن الحجيّة فتصبح بمثابة الخبر الضعيف والعمل به من باب التسامح لا مانع منه ، حيث إنّ المستشكل يعمل بقاعدة التسامح ، كما يظهر من سائر كتبه ، فما وجه مخالفة الاحتياط حينئذٍ ؟ ! وإن قصد أنه لا يحرز مطابقتها للواقع لأجل احتمال دخول الهوى والشيطان ، فإنّ الاحتمال المذكور - أي عدم المطابقة للواقع - يجري عنده في مطلق الدعاء عندما لا تتحقّق شروطه ، فلو استخار الإنسان العادي بالمصحف لجرى الأمر عينه ، لاحتمال عدم الاستجابة بعد عدم تحقّق شروط الدعاء منه ، والتي بيّنها رحمه الله نفسه ، فما وجه مخالفة الاحتياط هنا دونه هناك ؟ هذا ما لم يتّضح لي .
المناقشة الثالثة : ما ألمحت إليه آنفاً ، من أنّ الروايتين المعتبرتين ليس فيهما إشارة إلى حيثية الكشف وترتيب الأثر وجواب الاستشارة ، بل غاية ما فيهما هو الدعاء والعمل بما يقع في قلبه ، وهذا غير حيثية الكشف التي بيّنتها الروايات الأخرى ، فالصحيح من الروايات لا يثبت هذه الاستخارة بحيثيّة أنّ الله يوقع في القلب ، بل تثبت الدعاء ، ثم العمل بما يقع في القلب ، والضعيف من الروايات بعضه يفيد الكاشفيّة ، وعليه فالمقدار الصحيح سنداً أو الموثوق صدوراً من النصوص لا يثبت هذه الاستخارة بالمعنى الكشفي المتداول في الاستخارات الاستشاريّة ، وإنّما يثبت وظيفة محدّدة حال التحيّر وهي فعل الاستخارة ثم العمل على ما صار عليه العزم .
إلا انّ هذه المناقشة فيها ضربٌ من التدقيق ، فالحالة جاءت في سياق حال من
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 192
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٩٢