أكثرها ليس فيها ما يفيد النفي في غير الأطعمة ، ومن الممكن جداً فهم السبب في تردّد الحديث عن الطعام في عدد لا بأس به من نصوص الاحتكار ، انطلاقاً من أنّ الاحتكار في الطعام كان أوفر من غيره في تلك الأزمنة وأضرّ بالناس ، فكثرة تردّد الطعام في النصوص يمكن فهمه وفقاً لهذا الأمر ، بلا حاجة إلى افتراض أنّ هذه الكثرة شاهدٌ على تخصيص الشارع الحكم بالطعام .
نعم ، من بين هذه النصوص قد يدّعى وجود خبر صحيح السند ، وهو صحيح الحلبي الذي اشتمل على أداة حصر : « إنما الحكرة أن تشتري طعاماً وليس في المصر غيره فتحتكره . . » ، فإنه يفيد حصر الاحتكار بشراء الطعام حيث لا يوجد غيره ، فيدلّ بمفهوم الحصر على أنّ غير الطعام لا يدخل في الحكرة المحرّمة .
إلا أن ذلك غير صحيح ؛ لأنّ الحصر هنا إضافيّ جاء بملاحظة حالة وجود باذل في السوق للسلعة المحتكرة وعدمه ، ولذلك ذكرت الرواية نفسها في المقطع التالي أنه لو كان هناك باذل للسلعة فلا بأس أن يلتمس لها الفضل ، مما يكشف - بقرينة المقابلة - أنّ دائرة الحصر كانت في خصوص توفر السلعة وعدمه في السوق لا غير ، ولا أقلّ من أنّ ذلك يمنع من استظهار شمولية الحصر هنا .
وبهذا يثبت أنّ النسبة بين المطلقات ونصوص الأطعمة هي النسبة بين المثبتَين ، وفي هذه الحال قد يدّعى أنه لا تعارض بينهما ، بل قد يدّعى أنّ أحدها جاء في سياق بيان بعض مصاديق الثاني .
إلا أنّ المشكلة تكمن فيما أسلفناه في البحث اللغوي ، حيث لم نستطع استخراج مفهوم الاحتكار الخاصّ في غير الأطعمة ، وكأنّ هذه الكلمة صارت خاصّةً بذلك ، بمعنى أنّ هذا اللفظ دائر مدار معنيين ثبتا له بالفعل ويشترك بينهما ، أحدهما عام والثاني خاصّ بالأطعمة ، ومعه فتكون المطلقات في المجموعة الأولى - بصرف
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 94
مساهمون: حيدر حب الله
ص٩٤